.

2015/09/25

مناهج اللسانيات ومذاهبها في الدراسات الحديثة

منذر عياشي*
1. اللسانيات والمنهج
لا يوجد علم إلا وله منهج به يقدم نفسه ويجلي صورته، وبه يغوص توصيفاً وتحليلاً في مادة بحثه وموضوعه. ألا وإنه ليقال إن العلوم لا تأخذ مصداقيتها إلا من مناهجها وصلابة تماسكها من جهة، ومن قدرة هذه المناهج على استخلاص المعارف وتقنين الأنساق المنتجة لها، من جهة أخرى.
وإن نظرة في الدراسات اللسانية لتفصح عن هذا الأمر وتؤكده. فاللسانيات لم تتعدد مذهباً ونظرية ومدرسة إلا لأنها تعددت منهجاً، ولعلنا نتبيّن هذا من خلال العرض الذي تقدمه هذه الدراسة عن عمل المنهج وأثره في اللسانيات التاريخية، واللسانيات البنيوية في
مرحلتها الأولى، واللسانيات التوليدية التحويلية بوصفها أمثلة دالة. فالمنهج في كل هذه المذاهب، أو النظريات، أو المدارس يقوم بدور رئيس إن على صعيد التأسيس تأصيلاً نظرياً ومعرفياً، وإن على صعيد الممارسة اللسانية دراسة وتحليلاً.
وما دام الأمر بهذه الأهمية البالغة، فحري بنا أن نقف على مفهوم المنهج وتعدديته، لنعلم، من بعد فهم، كيف تعاملت معه اللسانيات بكل مذاهبها ونظرياتها ومدارسها، وكيف اتخذت منه سبيلاً إلى معالجة قضاياها ومسائلها.
• - المنهج
ينقسم المنهج إلى قسمين: عام وخاص.
1. المعنى العام:
يمكن، بداية، تعريف المنهج بأنه "طريقة لعرض الأفكار، ولاكتشاف الحقيقة، إلى آخره، وذلك تبعاً لمبادئ معينة ومن خلال نظام معين يدل على وجود إجراء للعقل منظَّم" (1). وهو أيضاً "إجراء عقلاني، وإجراء منظّم للعقل بغية الوصول إلى هدف معين" (2).
وإذا كان المنهج هو هذا، فإن علم المناهج يكون، والحال كذلك، هو "الدرس الفلسفي للإجراءات الخاصة بالبرهان وبالبحث في مختلف العلوم" (3). وإننا لنلمس هذا بوضوح من العلوم في تنوعها. فهي على اختلافها وتعددها تكاد لا تخرج عن كونها ثلاث شعب: منها علوم ذات طبيعة مجردة، مثل الرياضيات، وأخرى تنتمي إلى الواقع المادي، مثل علوم المادة، وثالثة هي العلوم الإنسانية. ونلاحظ أن كل شعبة من هذه الشعب تتفرّع إلى عدة فروع، وأن كل فرع منها يعنى بموضوع معين يشكّل ميدان درسه. والسؤال الذي يطرح بهذا الخصوص هو: ما هي الطرق التي يستطيع العقل بها بلوغ هذه المواضيع؟ لعل قاموس Marabout Universite "الفلسفة" يحمل إلينا الإجابة. فهو يقول: "إن الطرق التي يستطيع العقل بها بلوغ هذه المواضيع المختلفة، مختلفةٌ هي أيضاً، وإن مجموع هذه الطرق هو ما يسمى المنهج، أي الإجراءات التي نستخدمها لاكتشاف الحقيقة أو لإثباتها" (4).
لا سبيل، إذن، لمعرفة مواضيع العلوم إلا بالمنهج، وإذا كان المنهج هو جملة الإجراءات التي نستخدمها، فإن هذا هو أيضاً ما يحدد المنهج بالمعنى العام. ويبقى أن نعرف الآن ما هو المنهج بالمعنى الخاص.
2. المعنى الخاص:
عندما يكون المنهج على مثال العلوم وموضوع اشتغالها، فإنه يحمل مثلها خصوصية معناه. ولقد نعلم أن العلوم، في كل شعبها وأقسامها، تدور على أمرين: إنها إما تجريبية، وإما عقلانية. كما نعلم، كذلك، أن المناهج التي تستخدمها هي على مثالها مفهوماً ومتصوراً. ولذا، فهي إما أن تكون مناهج تجريبية، وإما أن تكون مناهج عقلانية. والمتأمل في العلوم موضوعاً وفلسفة، يدرك أن هذين المنهجين قد تعاقبا تباعاً على ميادين علمية متعددة، من بينها اللسانيات. فكان لكل منهما في هذا الميدان أثر ظاهر في إنتاج معرفة لسانية، تميّز بها من سواه، بل استقل حتى شكّل ضرباً من القطيعة، ولعل وقوفنا في الفقرة التالية يكشف هذا ويبينه.

2. اللسانيات بين التجريبية والعقلانية
اللسان حدث، وإنه ليتمثل في نظامه وأدائه. وهو، أينما وجد الإنسان، لا يكف عن الوجود حضوراً. ولقد يعني هذا أن اللسان والإنسان متلازمان، وأن كل واحد منهما يتخذ الآخر جسراً واصلاً بينه وبين وجوده. بيد أن الإنسان، لكي يتمكن من إنجاز هذا الأمر، مضطر أن ينساه. وبقول أكثر تفصيلاً يمكننا أن نقول: هناك ثلاثة ضروب من النسيان ضرورية، من غيرها لا يقوى الإنسان أن ينجز كلامه. وهذه الضروب الثلاثة هي: النسيان صوتاً، والنسيان نحواً وتركيباً، وأخيراً النسيان دلالة. ولو أن أي واحد من هذه العناصر المكونة للسان، قام في ساحة وعيه واحتل مشغل تفكيره أثناء الكلام لما حدث الكلام. فنسيان اللسان، إذن، عند حدوث اللسان يعد ضرورة لا يمكن تجاوزها لكي يحدث اللسان. ولقد يدل هذا على أن اللسان يطرح نفسه على حامل اللسان ومحدثه بوصفه إشكالية دائمة الحضور.
ولما كان الأمر كذلك، فقد مرت اللسانيات في مراقبة الحدث اللساني ودراسة كيفيات حصوله بمرحلتين: الأولى، وكانت فيها تجريبية. الثانية، وكانت فيها عقلانية. وما يعنينا، في هذا القسم من الدراسة، هو فهم العلاقة التي كانت بين كل من اللسانيات والمنهجين: التجريبي والعقلاني، أو، بالأحرى، فهم موجبات استخدام اللسانيات للمنهجين على التوالي، وأثر ذلك في إنتاج المعرفة اللسانية.

1. المنهج التجريبي واللسانيات
يرى فولكييه في قاموسه "اللغة الفلسفية" أثناء حديثه عن التجريبية أن "التجربة هي المصدر الوحيد لما نستطيع أن نعرفه عن الواقع" (4). وإذا كان للتجربة هذا المقدار من الأهمية في معرفة الواقع، فإن قاموس "مارابو" "الفلسفة" يجعل من التجربة أساً في تكوين المنهج التجريبي. ولذا، فهو يقول في تعريفه: "إن التجريبية، بوصفها منهجاً، تقتضي اتباع تعاليم التجربة من غير أفكار مسبقة ولا فرضيات معدة سلفاً" (5).
وإذا كانت التجربة هي المصدر الوحيد لمعرفة الواقع، وكانت التجريبية هي اتباع تعاليم التجربة، فإن اللسانيات تكون، بهذا المعنى، هي اتباع تعاليم التجربة اللسانية. وإنها لتكون كذلك لأن التجربة هي المصدر الوحيد لمعرفة الواقع اللساني.
لقد سلف القول منا إن اللسان حدث. ونضيف هنا، متكئين على التجريبية منهجاً ومفهوماً، فنقول إن اللسان حدث في واقع تخبر عنه تجربة المتكلم مع كلامه. والتساؤل الذي يطرح هنا، هو: ما دام اللسان حدثاً في واقع، فمن هو أولى بالإخبار عن هذا الحدث، هل هو المتكلم، صاحب الحدث، أم هو اللساني، مراقب الحدث؟ وهل هما يستويان مع اللسان تعاملاً وممارسة؟ ولقد نقول في الإجابة إن التساؤل الأول بسيط في طرحه، إلا أنه يرسم جزءاً هاماً من ملامح المنهج التجريبي ومعالمه في اللسانيات. فاللسانيات إذ تعتمد التجريبية، سواء كانت تاريخية أم كانت بنيوية في مرحلتها الأولى، فإنها تقصي المتكلم (صاحب الحدث اللساني)، ولا تنظر إليه في المعرفة اللسانية. ذلك لأن ما يهم اللساني التجريبي، كأي باحث تجريبي، هو الحدث وليس صاحب الحدث، والتجربة وليس منجز التجربة. وأما في الإجابة على التساؤل الثاني، فيمكن القول إن المتكلم واللساني لا يستويان مع اللسان تعاملاً وممارسة. فالأول يستعمله وهو لا يراقب أصولية اللسان وقد لا يعلم ما به يكون، في حين أن الثاني يستعمله وهو يراقب أصولية اللسان ويعلم ما به يكون. وكذلك، فإن ما يكون منسياً، بالضرورة لحدوث الكلام، يكون ملاحظاً ومراقباً، بالضرورة أيضاً، عند اللساني لمعرفة الواقع اللساني.
وإذا كانت التجربة، عند الباحث العلمي، تمثل أداة الاختبار في البحث وتكوين المعرفة، فإن المراقبة، عند الباحث اللساني، تمثل أداة الاختبار وتنوب عن التجربة في البحث وتكوين المعرفة اللسانية. ولقد عملت بهذا كل المناهج اللسانية، فحققت بذلك أمرين:
- الأول، وأكدت فيه التزامها بشرط المنهج التجريبي القاضي باتباع التجربة من غير أفكار مسبقة ولا فرضيات معدة سلفاً.
- الثاني، وتميزت فيه من النحو التقليدي الذي هو منظومة معدة سلفاً، وتشكل حدثاً سابقاً في وجوده على حدوث الكلام.
ولعل هذا يؤكد أن اللسانيات إذ تتشكل منظومة بعد حدوث الكلام، فإنها تحدث قطيعة معرفية ومنهجية مع منظومة النحو التقليدي.
وأما لم كانت المراقبة تنوب عن التجربة في اللسانيات التي تعتمد المنهج التجريبي، فلأن المادة اللسانية في واقع حدوثها تختلف عن باقي المواد. فهذه الأخيرة يمكن تكرار التجربة فيها من غير أن يؤثر ذلك على المادة نفسها ومعطاها المعرفي، في حين أن الأمر ليس كذلك في الحقل اللغوي، إذ ربما يؤثر تكرار التجربة على المادة اللغوية ويغير معطاها المعرفي. وهذا يجعلها تجربة جديدة وليس تجربة مطابقة لسالفتها. ثم إن تكرار التجربة في الحقل اللغوي، ليس على الدوام أمراً ميسوراً، بل ربما نستطيع أن نقول مؤكدين إن المراقبة المباشرة نفسها، والتي تنوب عن التجربة، قد تكون هي أيضاً أمراً غير متاح ولا ممكن في كل الظروف. وهذه عقبة كانت اللسانيات التاريخية والقواعد المقارنة قد واجهتها أثناء مراقبتها للحدث اللساني في أزمنة تاريخية غابرة وبين لغات قديمة ومختلفة. ولذا، فقد جعلت الوثيقة، خلاصاً من المأزق، تنوب عن المراقبة، وتحل محلها، تماماً كما نابت المراقبة عن التجربة وحلّت محلها.
وقبل أن نخرج من التجريبية في اللسانيات، يجدر بنا أن نشير إلى أمرين لا يقلان أهمية عن كل ما ذكرنا، والسبب لأنهما يعكسان الواقع العملي والإجرائي للمنهج التجريبي. وهذان الأمران هما:
- الأول، وهو أن اللسانيات، عندما تتخذ التجريبية منهجاً، فإنها تسعى إلى جمع الوقائع اللغوية (الكلمات، العبارات، الوثائق) وتصنيفها، وتبويبها لكي توضع في مدونة. ولقد يعني هذا أن مفهوم المدونة يعد مركزياً في كل بحث تجريبي.
- الثاني، وهو أنها في سعيها إلى إنشاء المدونة، تستخدم الاستقراء. وإن هذا ليجعلها أقرب إلى التجربة وأدنى إلى التماس مع الوقائع.
وإذا أردنا، أخيراً، خلاصة نجمع فيها الناتج المعرفي للمنهج التجريبي في اللسانيات، فإننا نستطيع أن نقول إن هذا الناتج قد تجلّى في مذهبين كبيرين، هما: مذهب اللسانيات التاريخية والقواعد المقارنة من جهة، ومذهب اللسانيات البنيوية في مرحلتها الأولى، من جهة ثانية.
ولكي لا يظن أن المذهبين يمثلان شيئاً واحداً، أو يمثلان وجهين لشيء واحد، بسبب انتهاجهما المنهج التجريبي، فإنه يحسن بنا أن نذكر بعض الفروق الأساسية والمركزية بينهما. ومن هذه الفروق، هو أن اللسانيات التاريخية، ومعها القواعد المقارنة، كانت تتبع الوقائع بوصفها ظواهر مستقلة بعضها عن بعض، وتنظر في تطورها. ولقد جعلها هذا تطورية، بالإضافة إلى كونها تجريبية، ومعنى أنها تطورية، أي تعمل على تتبع الوقائع اللغوية (الألفاظ صوتاً ودلالة) لترى تطورها عبر التاريخ. ولذا، فقد كانت دياكرونية كذلك، أي تعاقبية، وكان محور ظهورها أو تصنيفها هو محور الاستبدال. وأما اللسانيات البنيوية، فقد كانت لا تتبع الوقائع اللغوية عبر التاريخ ولا تنظر إليها بوصفها ظواهر مستقلة بعضها عن بعض، وإنما كانت تبحث عن العلاقات التي تربط هذه الوقائع بعضها ببعض. ولقد جعلها هذا الأمر "سانكرونية"، أي "آنية"، بالإضافة إلى كونها تجريبية. وكان محور ظهورها أو تصنيفها، نتيجة لذلك، هو محور التركيب، وذلك خلافاً للسانيات التاريخية التي سجلت البنيوية معها قطيعة معرفية أدت إلى انتهاء عقل البدائل (إشارة إلى محور الاستبدال) وظهور عقل التجاور (إشارة إلى محور التركيب).
وهناك جملة فروق أخرى، جوهرية، جعلت منهما مذهبين متباينين، بل نقيضين أيضاً.
2. المنهج العقلاني واللسانيات
أ. تعريف العقلانية
اللغة فعل عقلاني، وتبدأ الخطوة الأولى للعقلانية، عند كل إنسان، بالانتقال من الشيء إلى اللغة التي تقول هذا الشيء. ونلاحظ أن هذه الخطوة ترافق الإنسان في حياته المعلومة، بغض النظر عن تطوره ومقدار تحضره، وتقف بينه وبين العالم الذي يعيش فيه.
ولذا، فهو، والحال كذلك، حين يتكلم عن الأشياء لا يرى الأشياء ولا ينقلها، ولكنه يرى لغته التي تنوب عن الأشياء رؤية وحضوراً. ولقد يؤكد هذا إنسانية الفعل العقلاني، كما يؤكد أن الإنسان عقلاني فطرة بشهادة اللغة التي هي استعداد فطري أيضاً.
والعقلانية عند الإنسان مراتب. وإنها لتكون أكثر تعقيداً عندما تذهب من المُدْرَك لغة إلى الإدراك نفسه. ثم تبلغ، بعد ذلك، درجات عليا من التعقيد عندما تتحوّل بهذا الإدراك إلى مفهوم أو متصور. ثم هي لا تلبث أن تتسامى، فتغادر المفاهيم والمتصورات لتصبح تجريداً محضاً، فتكون، حينئذٍ، ولا يكون معها شيء سوى جملة القوانين التي تعيد خلق المفاهيم والمتصورات وتنزلها في اللغات من بعد خلق خلقاً آخر تقوله الكلمات والعلاقات القائمة بين هذه الكلمات في الجمل، والعبارات، والنصوص.
والعقلانية ليست وجوداً من عدم. ولذا، فهي تفترض وجود رشيمات معرفية في العقل، سابقة في وجودها على وجود التجربة. وإن هذا ليجعلنا نقول إن التجريبية إذا كانت في مبتداها ومنتهاها تقوم على التجربة في تحصيل المعارف، وإذا كانت المعرفة في التجريبية هي معرفة A Posteriori، أي (استدلالية، تأتي بعد التجربة)، فإن المعرفة في العقلانية هي A` Priori، أي (أولية، وسابقة للتجربة).
وإذا تأملنا، فسنجد أن هذا يعني أن الإنسان لا يلد خلواً من المعرفة، كما يعني أن العقل يحتل بالنسبة إلى المعارف في العقلانية، ما تحتله التجربة بالنسبة إلى المعارف في التجريبية. وبهذا، فإن العقلانية، مقارنة بالتجريبية، تسجل انزياحاً لمركز التأصيل والتحصيل المعرفي، يذهب بها من التجربة التي كانت سائدة ومهيمنة في علوم القرن التاسع عشر وبضع سنين من القرن العشرين، إلى العقل الذي صارت له الغلبة بعد ذلك.
ومما يجب أن يذكر في هذا السياق هو أن العقلانية، بوصفها منهجاً ورؤية وتياراً فلسفياً أيضاً، لم تعرف مخاضها وميلادها بعد التجريبية زمناً، ولكنها عرفته في أزمنة ضاربة في القدم والتاريخ، غوراً وعمقاً. ولعلّ جذورها الأولى توجد مع الكلمة الأولى للإنسان الأول. ولقد نستدل على هذا من وجود حزمة، وإن قليلة، من المصطلحات الدالة على طبيعة المعرفة العقلانية وأسبقية وجودها على وجود التجربة، مثل: "الفطرية l`inne`ise" عند ديكارت، و"الأشكال المسبقة Les formes a Priori" عند كانط، و"الصورية Le transcendantalisme" حيث هي تتميّز بأمور ثلاثة:
1. بأنها "تهتم على نحو مطلق بالمعرفة المسبقة".
2. وبأنها "تحلل القوانين المتأصلة في العقل المحض".
3. وبأن ممثلها في الفلسفة الأمريكية أمبرسون، كان "يعلي من شأن التصوف الأخلاقي والشكل الحلولي" (6).
وإذا عدنا إلى الجذور العميقة للفلسفة، فسنجد أن أفلاطون يتحدث عن "re`miniscence التأبه، والتذكر الغامض أو المبهم". وهذا التذكر هو عبارة عن "عودة إلى العقل بمناسبة رؤية الأشياء المحسوسة"، أو "تذكر الأفكار المشاهدة في العالم المُدْرَك عقلاً وليس حساً، مع الوهم بأنها تأتينا من العالم المحسوس" (7). وقد كان مينو يقول: "ليس التعلم شيئاً آخر سوى التذكر" (8).
ويعلق فولكييه على النظريات التي تشتمل على هذه المصطلحات وتتمثلها بقوله: "إنها تعترف بأن التجربة ضرورية لوعي هذا المعطى السابق على التجربة" (9).
ونجد، بالعودة إلى قاموس Marabout، أنه قد وضع أربعة حدود تصلح أن تكون للعقلانية تعريفاً، ومعياراً، ومسمى، وأسَّاً معرفياً:
- أما عن تعريفها، فيقول:
"إن كل أمر يُدْرَك مباشرة، أو يستنتج استدلالاً، هو أمر عقلاني" (10).
- وأما عن معيارها، فيقول:
"يتمثل معيار العقلانية في إمكان تنفيذ مجموعة من العمليات على موضوع ما. وتمتلك هذه العمليات الحق في أن تكون ذات ميل تعميمي" (11).
- وأما عن مسماها، فيقول:
"نسمي "عقلانية" كل نظرية تجعل من العقل أساساً لكل معرفة ممكنة" (12).
- وأما عن أسِّها المعرفي، فيقول:
إن أي نظرية "تؤكد، في النتيجة، أن العقل، بما هو ملكة، يحمل في ذاته رشيمات المعرفة قبل أن نُعطى أي تجربة" هي نظرية عقلانية (13).
ويُلاحظ من كل ما أتينا على ذكره، سواء كان ذلك في قاموس فولكييه أم كان ذلك في قاموس مارابو، أن المعرفة العقلانية هي معرفة سابقة في وجودها على وجود التجربة، وأن التجربة، في إطار العقلانية، تأخذ ضرورتها من كونها تدل على وجود المعرفة قبلها. فالتجربة ليست مُنْتِجاً معرفياً، ولكنها دليل على وجود المعارف قبلها وبرهان. ولعل إقرار هذا الأمر في العقلانية كان هو الجسر الواصل بينها وبين اللسانيات.

ب. صلة اللسانيات بالعقلانية1. علامات فارقة:
إذا كانت التجريبية، منهجاً وفلسفة، ليست من منتجات الحقل اللساني، علماً ومعرفة، فإن العقلانية، هي الأخرى، لا تتمتع بهذا الأمر. ومع ذلك، فإنه كما كان للتجريبية أثر بالغ في نشوء اللسانيات التاريخية (التطورية والتعاقبية)، ونشوء اللسانيات البنيوية (التركيبية والآنية)، فقد كان أيضاً للعقلانية أثر بالغ في نشوء الثورة اللسانية الثانية على يد تشومسكي في نهاية الخمسينات من القرن العشرين.
ولكي تتضح لنا صلة العقلانية باللسانيات، فمن المستحسن أن نقارنها ونقابلها، من خلال نقاط مائزة ومحددة، بصلة التجريبية باللسانيات:
• - التجريبية:لقد كان من إفرازات المنهج التجريبي في اللسانيات:
1. اعتماد التجربة (أي الوقائع اللغوية: الوثيقة، الألفاظ، الجمل، العبارات) أساً لبناء المعرفة اللسانية.
2. الاستناد إلى الاستقراء إجراءً في الاستقصاء واستثمار التجارب والوقائع.
3. تكوين مدونة وتبويبها وتصنيفها لتكون بألفاظها وجملها وعباراتها نموذجاً تمثيلياً للغة، ومثلاً تفسيرياً، ووثيقة دالة على أداء المتكلم.
4. إسقاط المتكلم وإقصاء الدلالة لصالح ميكانيزمات شكلانية تظهر في الأشكال المختلفة لأداء اللغات صرفاً وتركيباً.
• - العقــــــــــــــــلانية:لقد كان من إفرازات العقلانية في اللسانيات:
1. اعتماد العقل أساً لبناء المعرفة اللسانية، والاتكاء على حس المتكلم وكفاءته اللغوية.
2. الاستناد إلى الاستنباط إجراء في الكشف، ليس عن الوقائع اللغوية، ولكن في الكشف عن جملة القوانين التي تنتج هذه الوقائع.
3. إسقاط المدونة لأنها لا يمكن أن تكون تمثيلاً حقيقياً لأداء المتكلم، والتعويض عنها بالنماذج المجردة التي يستند الأداء إليها. والمهم في هذا أيضاً أن الحتميات تسقط مع إسقاط المدونة، وتحل محلها الممكنات.
4. إعادة إدماج المتكلم والدلالة في الحقل اللساني.
ولقد امتدت نتيجة لذلك الجسور بين اللسانيات وعلم النفس، من جهة، وبين اللسانيات وعلم الاجتماع، من جهة أخرى.
وهناك نقاط يمكن أن تضاف إلى هذه. وإنها لتعد كذلك نقاطاً فارقة بين المنهجين، غير أنّا نكتفي بهذا المقدار.
2. اللغة والعقلانية:
لقد انتقلت اللسانيات، إذن، من إطار منهجي كانت تدور فيه في فلك التجريبية والوصفية، إلى إطار منهجي آخر صارت فيه ممثلة للعقلانية في دراسة اللغة الإنسانية.
وإنفاذاً لهذه النقلة، فقد انطلق اللسانيون العقلانيون (مدرسة تشومسكي) من فرضية تقول: إن السلوك الإنساني، عندما يكون كلاماً، فإنه ينضوي على مبدأ عقلي يرتكز على معرفة بالقواعد مضمرة، وبالأصول محتجبة، وبالضوابط مستترة يقوم عليها الكلام.
وإذا صحت هذه الفرضية، فإن النظرية التي يجب أن تعتنقها اللسانيات تشتمل على ثلاثة مبادئ:
- الأول، وتقرر فيه أن العقل هو المصدر الوحيد لمعارفنا عموماً، ولمعارفنا اللسانية خصوصاً.
- الثاني، وتقرر فيه أن اللغة تعد، من منظور العقلانية، تنظيماً عقلياً. فإذا كان الفكر اختياراً حراً للإنسان، فإن اللغة تساهم في تكوينه، فتجعله ممكن الوجود وتمنحه فرصة التعبير عن نفسه بوصفه فكراً، وبوصفه اختياراً حراً للإنسان.
- الثالث، وتقرر فيه أن اللغة ترتبط بالفعل الفيزيائي، ولكنها تتجاوزه. وما كان ذلك كذلك إلا لأنها، في أسباب حصولها، عمل عقلي يوجه هذا الفعل الفيزيائي ويعلو عليه.
ولقد نرى أن هذا الأمر هو ما يميز العقلانيين في اللسانيات التوليدية من السلوكيين، مثلاً، في لسانيات بلومفيلد البنيوية. ذلك لأنهم يميزون بين العمل العقلي والعمل الفيزيائي. فالإنسان عندهم لا يتعلم اللغة بالتجربة كما يتعلم الحيوان في المخبر إذ يتدرب على تعود سلوك معين. فاللغة ليست مجموعة عادات. وهو عندهم أيضاً "لا يتعلمها عن طريق الحافز أو المثير، فاللغة تكتسب اكتساباً من غير أن يبذل الإنسان في اكتسابها أي جهد، ومن غير أن يخضع في اكتسابها إلى أي منعكس شرطي. فهناك في العقل، على نحو ما أشرنا، رشيمات معرفية، أو هناك عند الإنسان استعدادات فطرية لاكتساب اللغة وجدت مع وجوده منذ وجود الإنسانية الأولى. وما دام الإنسان يوجد في مجتمع، فلا يستطيع فيه إلا أن يكون متكلماً" (14). ومن هنا، فإن العقلانيين في اللسانيات التوليدية يتميزون من السلوكيين في لسانيات بلومفيلد البنيوية، "ويفرقون بين العمل الفيزيائي والعمل العقلي" (15).
"وثمة ملاحظة أخرى يجب أن ندركها. إن العقلانيين يرون أن الإنسان يستطيع أن يواصل تعليمه بمفرده [...]، ولكن الحيوان، في المقابل، يظل عاجزاً عن مثل هذا، وغير قادر على أدائه أو الانتقال بنفسه إلى مثل هذا المستوى الذي يتطلب شيئاً غير الخبرة العملية ألا وهو التفكير. فهو يخطو به من التجسيد إلى التجريد، ومن آلية التكرار في تعود عادة إلى عقلنة العادة وإدخالها في المزاولة النظرية وممارسة الفرضيات واكتشاف طرق تؤدي إلى التعلم بجهد أقل" (16).
يبقى أن نقول: "لقد كان من النتائج التي توصلت إليها اللسانيات باستخدام العقلانية منهجاً أن وقفت على ما أسمته "الكليات اللغوية"، أو عالمية السمات اللغوية" (17). وبهذا فقد وجدت وجوهاً متقاربة بين لغات متباعدة. وكانت هذه الوجوه في مكونات اللغة الثلاثة: الصوت، والنحو، والدلالة.
3. العقلانية والنظرية اللسانية:
عندما أحلّت العقلانية العقل محل التجربة، فقد انتقلت بذلك من العمل بالشيء إلى العمل بمتصوره، ومن المدونة إلى النماذج القاعدية التي تنتج ما فيها. ألا وإن كل اشتغال بالمعرفة يتخذ من المتصورات أو من المفاهيم أسّاً لاشتغاله، إلا وهو يحتاج إلى نظرية تنظم وقوفه على الظواهر، وتنظم وصفه لها، كما تنظم وضعه الفرضيات بشأنها. وإلا يكن ذلك، فإنه لن يقوى على التعميم، كما لن يقوى على إنشاء النماذج، أي لن يقوى على بناء النظرية.
وإذا كان الأمر كذلك، فلنا أن نتساءل ما هي النظرية؟ وما هي مكوناتها؟ وما موقعها؟ ومن أين تنطلق؟ ولقد نعتقد أن أسئلة كهذه، تستدعيها النظرية وتثيرها من حولها، لهي أسئلة عقلانية أيضاً:
• - يرى فولكييه أن النظرية "تمثيل عقلاني" (18).
وإننا لنعلم أن كل تمثيل عقلاني إنما هو تجريد لا تجسيد، أو هو انتقال من الأشياء إلى متصوراتها.
• - ويرى فولكييه أيضاً أن النظرية "بناء عقلي يرتبط بوساطة عدد من القوانين التي يمكن أن تستنتج منه مباشرة" (19). ولقد يُستدل من هذا أن النظرية بناء، وأن قوانين هذا البناء ليست خارجة عنه.
• - ويرى فولكييه، كذلك، أن النظرية "تقف وسطاً بين الفرضية والنسق" (20).
وإذا سألنا لم تقف النظرية بين الفرضية والنسق، فيمكن أن نجيب إن الأمر يكون كذلك لسببين: الأول يتعلق بالفرضية، والثاني يتعلق بالنسق.
- أما السبب الأول، فلأن الفرضية "اقتراح ومعطى أولي، مقبول مؤقتاً لكي يستخدم قاعدة للاستدلال، والبرهان، والتفسير. ويُبَرَّر هذا الاقتراح أو هذا المعطى باستخلاص النتائج وبالتجربة" (21).
- وأما السبب الثاني، فلأن النسق يمثل "مجموعة من الأفكار أو المبادئ المترابطة على نحو تشكل فيه كلاً علمياً أو نظرياً، ولأنه يعد أيضاً "توليفة من عناصر تنتمي إلى النوع نفسه. وإنها لتجتمع كي تشكل جمعاً حول مركز" (22).
ولقد نفهم من هذين السببين أن النظرية تظل، في جانب منها، اقتراحاً ومعطى أولياً يُستخدم للاستدلال والبرهان والتفسير إلى أن تثبتها النتائج أو تنفيها، كما نفهم من هذا أيضاً أن النظرية نسق، وأنها تكون كذلك لأنها تولف بين أفكار أو مبادئ أو عناصر، تجعلها تظهر وكأنها كل متماسك يضمه مركز واحد. وبهذا يتضح لماذا جعل فولكييه النظرية تقف وسطاً بين الفرضية والنسق.
• - وأخيراً، إذا كانت النظرية "تمثيلاً عقلانياً"، فإن اللسانيات إذا أرادت أن تكون نظرية في اللغة، فإنها يجب أن تنطلق من وقائع معينة تتمثل في بعض المعطيات اللغوية، فتصفها وتضع حولها الفرضيات، بحثاً عن النظام واستنباطاً للنسق الذي يجمع عناصرها في كل واحد.
إن اللسانيات عندما تمارس هذا الضرب من الاشتغال العقلاني، فتنتقل من الوقائع اللغوية إلى القوانين المنتجة لهذه الوقائع، تؤسس لنفسها بناء ً عقلياً يسمى النظرية. وتوضيحاً لهذا الأمر نقول إن الطريق الموصل إلى النظرية هو هدف ينشده كل تنظير عقلاني في كل ميدان من ميادين العلم. ولقد يتحدد هذا الهدف في العمل اللغوي عن طريق جمع بسيط ومؤقت للمادة اللغوية، وذلك خلافاً للنظر التجريبي الذي يُغرقه الاستقراء في جمع المادة مدونة، فتبويباً. ويفضي الوقوف، البسيط والمؤقت على المادة اللغوية، بالنظرية اللسانية إلى إنشاء نسق عناصره ليست المعطيات اللغوية، ولكن القواعد المستنبطة منها، والتي تُخصَّص لكي تكون جهازاً عقلانياً به تُفسِّر النظرية اللسانية كفاءة المتكلمين وتمكنهم اللساني. ولذا يقال إن النسق يعد سليماً وقابلاً للاستعمال إذا كان يفسح المجال بيسر أمام النظرية للكشف عن الكفاءة اللسانية التي يحملها كل من يتكلم بلغته الأم. وإلا يكن ذلك وتعثرت النظرية في إنجاز هذه المهمة، فثمة عطل – والصعوبة في استعمال النسق تعد عطلاً أيضاً – يستدعي إعادة النظر في وصف الوقائع والفرضيات التي وضعت حولها بغية استنباطه واستخدامه أداة للكشف عن الكفاءة اللسانية.
ولعلنا نستطيع، في نهاية هذا المطاف، أن نقول إن من أهداف النظرية أن تجعل الكفاءة، بتوسط القواعد المستنبطة من الوقائع والنسق الجامع لها في كل واحد، أمراً صورياً ونموذجاً عقلانياً. وإن هذا ليدل أن اللسانيات لكي تكون نظرية عقلانية، يجب عليها أن لا تتوقف في وجودها منهجاً على وجود التجربة، وأن لا ترتهن في وجودها نظرية بالتجريبية وجوداً. ومن هنا، فقد كانت العقلانية تسعى، بعقلانية منهجها، إلى تجاوز الشيء في تعيناته بغية إنشائه في تصوراته، كما هي تسعى في اللسانيات إلى الانتقال من الكلام أداء كما هو قائم في الأعيان، إلى الكلام بنى، وأنساقاً، ونماذج كما يمكن أن تقوم في الأذهان.
والسؤال الأخير الذي يمكن طرحه لكي نختم به حديثنا عن "مناهج اللسانيات ومذاهبها"، هو: من يصنع النظرية، هل هو منهجها، أم هو مذهبها، أم هو المادة التي تعالجها؟
نعتقد أن هذا الضرب من الأسئلة سيظل قائماً على رأس كل نظرية في كل عصر، فيجددها أو يعمل على تغييرها.


*أكاديمي من سوريا


----------------------

المـــــراجع:
1. Larousse: Dictionnaire de la langue Francaise, Paris. 1994, P1149.
2. المرجع السابق والصفحة.
3.Les Dictionnaires MARABOUT universite`: La philosophie, Tom2. Paris. 1972. P463.
4. Paul Foulquie`: Dictionnaire de la langue philosophique. E`d, PUF. Paris, 1992. P257.
5. Marabout. Tom2. P128.
6. Larousse. P1921.
7. Paul Foulquie`. P631.
8. المرجع السابق والصفحة.
9. المرجع السابق، ص610.
10. Marabout. Tom3. P577.
11. المرجع السابق والصفحة.
12. المرجع السابق والصفحة.
13. المرجع السابق والصفحة.
14. د. منذر عياشي: اللسانيات والدلالة، مركز الإنماء الحضاري، حلب 1996، ص146.
15. المرجع السابق والصفحة.
16. المرجع السابق والصفحة.
17. المرجع السابق، ص147.
18. Paul Foulquie`. P726.
19. المرجع السابق والصفحة.
20. المرجع السابق والصفحة.
21. Larousse. P926.
22. المرجع السابق، ص1826.
__________________
شبكة ضفاف لعلوم اللغة العربية

ليست هناك تعليقات: