.

2015/09/19

اللغة العربية في مراحل الضعف والتبعية

اللغة العربية في مراحل الضعف والتبعية

صدر حديثاً عن "الدار العربية للعلوم ناشرون" في بيروت، كتاب جديد للدكتور عبد العلي الودغيري بعنوان "اللغة العربية في مراحل الضعف والتبعية"، في طبعته الاولى.
الكتاب من الحجم الكبير ينقسم إلى أربعة فصول رئيسية هي: اللغة العربية في مراحل الضعف والتبعية؛ وضع اللغة العربية في عصر العولمة وتحدياتها: عناصر الضعف والقوة؛ العربية ومعضلة الازدواجية: الفصحى ولهجاتها المعاصرة علاقة اتصال أم انفصال؛ الاعلام وأهميته في توحيد اللغة والتقريب بين الفصحى واللهجات.
ينحو المؤلف في هذه الفصول الأربعة منحى ميدانياً، اذا صح القول، واضعاً على بساط البحث ما يعتبره هو معوقات من شأنها أن تأخذ اللغة، إذا ما تفاقمت، إلى دائرة الهلاك. كما يستكشف بذهنية الباحث المتعقل، الفضاءات التي إذا ما شقت طريقها إلى ألباب السلطة السياسية، وفئات المثقفين، ومن بيدهم الحل والربط، لأصبح بمقدور العربية أن تطفو من جديد على سطح الحدث اللغوي في الألفية الثالثة.
يعود المؤلف في ثنايا الكتاب بالذاكرة إلى ما أطلق عليه المؤلف الزمن "الامبراطوري" العربي، حيث كانت اللغة العربية ذات سؤدد ومنعة ونفوذ وقدرة فائقة على التعبير عن العصر وإعادة صوغه وإنتاجه في كل مناحي العلم والفكر والفنون والآداب، مشيرا إلى أن اللغة العربية لا تزال فاعلة في الطبقات السفلى وأن ذاكرتها لا تزال مشتعلة  بمكوناتها التي كانت في الماضي.
ويرى المؤلف أن ثمة إمعاناً مستقصداً من السلطة والأنظمة والدول في الوطن العربي لدفن الرؤوس في الرمال والاستسهال المتعمّد في إعادة اللحمة بين الشخصية الوطنية والقومية من جهة، والعربية بظلالها التاريخية والمعاصرة، من جهة ثانية. ويرى، في الوقت عينه، أن ثمة ما يبعث على الاعتقاد أن استخدام العربية لغة للابداع الفكري والعلمي والتكنولوجي، لا يكفي وحده لتصبح، من جديد، الرقم الاصعب في تطور المجتمع العربي واللغة العربية في آن. لعله يميل إلى الاعتقاد أن استنهاض العربية من غفوتها الموقتة وانكفائها على ما تبقى لها من مقدرات تستجيب للحداثة، عملية معقدة للغاية. ينبغي أن تنطلق، على الأغلب، من استعادة الفرد إحساسه المتراخي بأنه ينتمي فعلاً لا قولاً الى الدينامية التي تنطوي عليها العربية في تعاقبها التاريخي الطويل. وهذا يؤول، بدوره، الى وجوب الاستيقاظ من المستنقع المزمن الذي فرضته السلطة السياسية نموذجاً للبقاء والاستمرار في الوطن العربي. والأغلب أن لا بقاء ولا استمرار ولا ديمومة في "رحاب" المستنقع، بينما تتدفق مياه غير ملوثة على المجتمعات في العالم المتقدم. العربية لكي تتحرك في بنيتها الداخلية العميقة عوامل الاستنهاض والتحفز والانحياز الى حداثة العصر، تحتاج، بالدرجة الأولى، إلى مناخ حقيقي تتنفس فيه رياح الحرية وإدراج أسباب العلم والتقدم على جدول أعمالها بدلاً من التقليد والمحاكاة والتبجح بهما.
ينطوي هذا الكتاب، في طبيعته البنيوية، على المام بالحدود القصوى، بحقول الالغام، والمطبات، والافخاخ، والمصائد التي تتعثر فيها العربية في العقد الثاني من الالفية الثالثة. ولذلك، يتجرأ صاحبه على الاقتراب من مواقع الرعب هذه، وامكنة "الموت" هذه سعياً الى تعطيلها قدر الامكان. او التلويح بأخطارها القاتلة. او التنبيه من شرورها، وهذا اضعف الايمان. لا حياة للمجتمعات العربية من دون العربية اذا ما استؤصلت منها الحياة. ولا حياة بالمثل للسلطة السياسية، اياً كانت، الا بالاستقواء بالعربية. العربية هي حقيقة الأمة كما كانت، وكما يتوقع لها ان تكون. والا فلا امة ولا حقيقة ولا لغة عربية.
وفي مقدمة الكتاب يبسط المؤلف أهم القضايا التي طرحها للنقاش، وخلاصة جملة من الأفكار التي تناولها وتطرق إليها في مؤلفه.
ومن مقدمة الكتاب نقتبس الفقرات التالية:
"يعالج الكتاب وضعية اللغة العربية في هذه المرحلة التاريخية الصعبة التي تجتازها أمتنا العربية الاسلامية بكل دولها وشعوبها ومجتمعاتها. ولعلي في غير حاجة لكي أشرح مظاهر صعوبة المرحلة وخطورتها والتحديات الكبرى التي تواجه الأمة على كافة المستويات وفي كل الاتجاهات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية. وإنما يكفي أن أقول أننا لسنا في مرحلة قوة وعافية ورخاء، ولكننا في مرحلة ضعف حسي ونفسي، مجتمعي وسياسي، وتخلف على المستوى العلمي والتكنولوجي والصناعي، وتبعية ثقافية واقتصادية تنعكس أثارها السلبية على بقية الجوانب الأخرى، فتجدنا عاجزين عن التحكم في قراراتنا الاستراتيجية واختياراتنا المصيرية وبلوغ أهدافنا ومطامحنا الحقيقية...".
ويضيف "علينا إذن أن لا نسأل عن وضع اللغة العربية في هذه المرحلة من تاريخ أمتنا ومجتمعاتها قبل ان نسال عن كرامة هذه الأمة وأوضاعها وأحوال شعوبها ودولها أين كانت وأمست؟ وكيف صارت واصبحت؟ فعزة اللغة من عزة اهلها وقوتها من قوتهم وضعفها من ضعفهم. ومشكلة العربية التي فقدت دورها ومكانتها وانحدرت اوضاعها الى الحضيض، هي في الاساس مشكلة امة فقدت الاحساس بشموخها وألفتها وعظمة ذاتها. تلاعبت الأمواج والرياح بسفينتها، ولم تعد قادرة على التحكم في مصيرها ولا في اختيار طريقها، أمة تعيش مرحلة ضعف وتفكك وحيرة وتيهان وبحث عن الذات وعقدة انبهار المغلوب بالمتغلب. ويوم تستيقظ هذه الامة وشعوبها من غفوتها وغيبوبتها وتعود الى وعيها ورشدها والوثوق بنفسها، والى سابق عزها وقوتها ومناعتها، وتعود اليها القدرة على التحكم في قرارها، اذ ذاك سيكون للغتها شآن آخر. فليس وضع لغة أمة إلا مرآة تعكيس وضعها النفسي وحالتها العامة التي هي عليها سلبا وايجابا، قوة وضعافاً."
"وسؤالنا الآن: هل اللغة العربية على وجه العموم والإطلاق والفُصحى على وجه الحصر والتخصيص قد وصل بها الضعف والوهن الى مرحلة العجز والشيخوخة، وصارت أو كادت أن تصير في عداد اللغات الميّتات المنقرضات التي فات أوانها وطويَ كتابها، كما يراهن على ذلك خصوم هذه اللغة وما هم في الحقيقة إلا خصومٌ للحضارة العربية الإسلامية... إذا كان المقصود هو العربية بكل اشكالها ولهجاتها وفروعها ومستويات استعمالاتها. فهناك عوامل اطمئنان كثيرة باعثة على التفاؤل، رغم المشاكل العديدة التي تُعانيها والعقبات التي تواجهها والمرحلة الصعبة التي تمر بها. لكن خوفنا الأكبر والحقيقي، هو على مصير اللغة الفُصحى المشتركة التي تجمع بين كل الناطقين والكاتبين بالعربية من عرب ومسلمين وغيرهم. ليس لأنها أصبحت غير قادرة على مواكبة العصر، أو أنها وصلت مرحلة الشيخوخة والعجز، أو فقدت القدرة على المواجهة والتحدي، أو لغير ذلك مما يزعمون، بل لكونها اللغة المستهدفة التي تحارب بكل ضراوة وشراسة منذ أكثر من قرنين، ويُخطّط سراً وعلانية لاغتيالها، لما في بقائها واستمرارها من مخاطر تُهدّد مصالحهم وتُفشل مخططاتهم. فهي أساسٌ متين من أسس الوحدة والترابط بين شعوب الأمة العربية والإسلامية، وعلينا أن لا نستغرب من تركيز حركة الاستعمار في بلادنا العربية على رُكنين أساسيين: هما الدين واللغة اللذان وُجدا مترابطين في حياة المسلمين. ذلك أن هدم اللغة يؤدي في تفكير الاستعمار الى هدم الدين. وإذا تهدّم الرّكنان سقط كل البُنيان، ولم يعد له وجود ولا كيان".
"لنعد الآن ونؤكد، أن ما تُعانيه العربية، بوجه عام والفُصحى بوجه خاص، في هذه الظرفية التي لا نظنها إلا عابرة مهما طال ليلها، ما هو إلا انعكاس لحالة الأمة وتردّي أوضاعها. وأن نهضة هذه اللغة لن تكون إلا بنهضة أهلها. ذلك أولاً. أما ثانياً: فهو أن تفريط أهل العربية في لغتهم والإعراض عنها هما الأخطر والأصعب من بين مشاكلها، والعقبة الكأداء التي تواجهها في الوقت الحاضر. ويوم تزول هذه العقبة سترى تلك اللغة في وضع آخر. وأما ثالثاً: فإن إبعاد العربية عن المجالات الحيوية، خصوصاً في تلقين العلوم الدقيقة والتقنيات، ومجالات الاقتصاد والتجارة والتدبير وأسواق المال والبنوك والمقاولات وقطاع الخدمات وجزء واسع من فضاءات الإعلام والإدارة، هو عنوان إهمالها ودليل على الرغبة في تأخيرها وتهميشها. وإلا كيف للغة أن تنمو وتتطوّر وهي في حالة إبعاد وإقصاء؟ إنهم يتّهمونها بالعجز في تلك المجالات التي ذكرناها، والحال أنهم بإصرارهم على إبعادها يتعمّدون إبقاءها في حالة القصور والجمود التي يحبون أن يروها عليها.
"ثم هنالك بعد ذلك مشاكل أخرى تُعانيها العربية في هذه المرحلة من تاريخها، ومنها:
"غياب التخطيط، على مستوى كل دولة عربية منفردة وعلى مستوى الدول العربية والإسلامية مجتمعة ومتضامنة، لحماية هذه اللغة وإنقاذها وتطويرها وفرض احترامها واستعمالها. وحين نتحدث عن غياب التخطيط، فنحن في الحقيقة نتحدث عن غياب القرار السياسي الحاسم الذي يفرُض احترام لغة الأمة وإعزازها وإكرامها ورفع مكانتها وصيانتها ولا يقبل التهاون في شأنها.
"ولعلنا قد أفرطنا في صب كثير من السواد ونحن نحاول رسم صورة اللغة العربية كما تبدو في هذا العصر. ولكن هذا ليس كل شيء عن حقيقة الوضع. فالعربية رغم ما يُقال عنها، ورغم مرحلة الضعف التي تجتازها والمشاكل الكثيرة التي تعانيها، ما تزال تمتلك كثيراً من عناصر القوة والمواجهة مما يساعدها على قدرة المناورة والمغالبة ويمنحها الطاقة الكافية للاستمرار. ويكفيها قوة أنها لغة أمّة من أكبر الأمم على الأرض، ولسان حضارة من أعرق الحضارات الإنسانية، وواحدة من أكبر لغات العالم وأقواها رصيداً تاريخياً وأزخرها تُراثاً فكرياً وعلمياً وأدبياً، ومن أوسعها انتشاراً جغرافياً ومن أكثرها استعمالاً بين أبناء البشرية. هذا ما تدل عليه الإحصاءات وتبيّنه الأرقام التي توازن بين وضعية اللغات، فتقرّ بأنها تحتل مرتبة متميّزة في كوكبة العشر الأوائل المتصدّرة للغات الام التي يقدّرون عددها الإجمالي بحوالي سبعة آلاف لغة مستعملة. أضف الى ذلك كله اقترانها بالدين الإسلامي وتراثه وثقافته وحضارته، وهو الدين الذي يعتنقه خُمس سُكان العالم، وكلهم تحدوهم الرغبة في تعلّمها أو معرفة شيء ولو قليل منها وحفظ قدر ولو يسير من سوَر القرآن المنزّل بها. وأضف أيضاً أن هناك حسب التوقعات الديموغرافية زيادة ملحوظة في عدد سكان المنطقة العربية والجالية العربية المقيمة في أنحاء العالم. مما يجعل كثيراً من الدراسات العلمية الرصينة والتوقعات المستقبلية تتنبأ بأن تصبح العربية في نهاية القرن الحالي واحدة من اللغات الثلاث أو الأربع الأولى في العالم. وأضف ثالثاً أن نسبة نموّ التعليم في العالم العربي في زيادة مطّردة بما يرافقه من زيادة في المعاهد والمدارس والجامعات ومراكز البحث والمجامع اللغوية، ومن بروز عدد من العلماء والباحثين والكتّاب والكُتب والمنشورات بالعربية، وما يتولّد عن ذلك كله من زيادة حجم الإنتاج العلمي والثقافي، وهو من المعايير المعتبرة في وزن اللغات والحكم على وضعها مقارنة بغيرها. وأضف رابعاً أن استعمال العربية في وسائل الإعلام الحديثة، ولا سيما في الشبكة العنكبوتية العالمية، والمواقع التواصلية والصحف الإلكترونية، يشهد طفرة تُثير الملاحظة وتجذب الانتباه... وحصيلة هذا في مجموعه أن المستقبل أمام اللغة العربية ليس كله ظلمة حالكة لا تبعث في النفس إلا التشاؤم الحاد. بل هنالك نقط ضوء وبياض كثيرة، ينبغي أن تُشجع الناس على المقاومة والتحدي، وتبعث فيهم الأمل والاستبشار بغد أفضل. لكن بشرط الانخراط في عمل مكثّف ومنظّم ومخطّط لحماية العربية وخدمتها وتنميتها وتطويرها والرفع من نسبة التفاؤل وعدم التغافل عن المظاهر السلبية الكثيرة التي تستوجب الحيطة والحذر ودقّ ناقوس الخطر قبل تفاقم الوضع وفوات الأوان.
تجدر الإشارة إلى أن المؤلف تكبد في هذا الإصدار القيم عناء لا يحسد عليه وهو يبذل محاولات تبدو مستعصية حيناً، ومستحيلة احياناً ومضنية احياناً ثالثة من اجل ان يتلمس بموضوعية الباحث، الاسباب التي اسفرت عن التقهقر المزعوم للعربية. واللافت، في هذا السياق، إنه ينأى بنفسه قدر المستطاع، عن تلك المنظومات الكثيرة والمتكاثرة من المسلمات التي لا تزال تأبى على نفسها الخوض في المياه الآسنة لهذه القضية. باعتبار أن العربية قدس الأقداس. وأنها اللغة التي لا تتمكن منها قوانين النشوء والارتقاء والموت.

إعداد: عبدالرحيم بلشقار - موقع الاصلاح

ليست هناك تعليقات: