.

2015/10/13

بجيرا عيّر بجره

الرد على الدكتور عبد الرزاق الصاعدي أستاذ اللغويات في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان، أما بعد فقد كنت نشرت تغريدات موجزة عن صوت من الأصوات التي ذكرها ابن دريد في مقدمة الجمهرة ضمن الأصوات التي لا تتكلم بها العرب إلا اضطرارا، وهو الصوت الذي وصفه بأنه بين القاف
والكاف، وأنه معروف في بني تميم، وذكرت أن سيبويه لم يذكر هذا الصوت في كتابه وأن ابن فارس ذكره في باب اللغات المذمومة، وأن في وصف ابن دريد اضطرابا لا يصح عنه، وأن ابن خلدون حار في أمره وأمر القاف الفصيحة، لذلك لا يمكن القطع بأن ذلك الصوت نفسه هو القاف في
بعض العاميات الحالية، ولو سلمنا أنه هو فلا يصح إلحاقه بأصوات العربية لا المستحسنة منها ولا المستقبحة، لأنه لم يذكره سيبويه أو من عاش في عصر سيبويه، وإنما ذكره من جاء بعده بحوالي قرنين فلا يعتد بما ذكروه لأن ذكرهم له كان تسجيلا لصوت عامي في عصرهم.
وقد أثارت هذه التغريدات ثائرة رئيس ما يسمى بمجمع اللغة الافتراضي الدكتور عبد الرزاق الصاعدي الذي اخترع للقاف العامية اسم القيف، فرد علي بتغريدات مسيئة لم أشأ الرد عليها لأنها كانت تهكمات وادعاءات عارية عن الأدلة.
ثم أتبع ذلك بنشر مقال طويل في مدونة مجمعه، جمع فيه بين السخرية والتخليط وما لا فائدة فيه، وقد قيل: من أكثر أهجر، والمكثار كحاطب الليل.
وعندما قرأته وجدت أن القارص قد عدا فحزر، ورأيت أن بجيرا عيّر بجره ونسي خبره ، فكتبت هذه الردود لأبيّن وجه الحقّ كما يبيّن الصبحُ الطريق لذي عينين.
وسأتبع فيها أسلوب (قال وقال) فأذكر اسمه وأتبعه بكلامه بنسخه من موقعه ولصقه هنا، فإن وجد فيه قلق فليس مني،  وأذكر اسمي متبوعا بردي، وأبدأ مستعينا بالله.


1-    قال عبد الرزاق:"  ثم ألمح إلى اتهامنا بالكذب على ابن قتيبة؛ لأنه لم يجد قولاً له في هذا الصوت"

قال بهاء الدين: قلت في تغريدتي (أما ابن قتيبة فلم أعثر على قول له فيه ) وليس في قولي هذا أي إلماح إلى الاتهام بالكذب، حتى عندما قلتُ: لم يذكره سيبويه هذا الصوت في كتابه لم أتهمك بالكذب، وإنما طلبت أن تثبت ما ذكرته في قرار مجمعك أن سيبويه وصف هذا الصوت، وسيأتي الحديث عن كلام ابن قتيبة مفصلا إن شاء الله.

2-    قال عبد الرزاق: "  وأما ما ذكره ابن دريد فيه فما هو عند الدكتور بهاء إلا تخليط من أثر الشراب الذي عرف عنه"
قال بهاء الدين: هذا من باب (أساء سمعا فأساء جابة) فإنك لم تفهم نص تغريدتي وصرت تدندن بأني أرجعت تخليط ابن دريد إلى أثر الشراب، لذلك سأعرض نص تغريدتي ثم أعلق عليها ، قلت في التغريدة:" هذا النص لو صح عن ابن دريد دل عندي على تخليط من أثر الشراب الذي كان يلازمه على ما حكاه الأزهري"
فأنت ترى أني علقت الجواب بشرط (لو) ، ومعلوم أن شرط (لو) ممتنع في كل الأحوال، فالمقصود أنه لا يصح هذا عن ابن دريد، ولا أقصد بقولي (هذا النص) ما يتعلق بالصوت محل الخلاف فقط ،ولكني اقصد نصه عن وصف الحروف التي ذكر أن العرب تضطر أن تتكلم بها بحسب زعمه .
ثم قلت في تغريدة أخرى: " إن صح النص عنهم فهو خلط وقد يكون في النص سقط فيكون كلامهما (أي ابن دريد وابن فارس الذي نقل عنه) ككلام السيرافي، أي تكون العبارة:" يلفظون الحرف الذي بين القاف والكاف شبيها بالكاف بين الكاف والجيم"

3-    قال عبد الرزاق: ”  ثم ذكر الدكتور عدة تغريدات يجزم فيها أن سيبويه لم يذكر هذا الصوت، فلما وقف على كلام السيرافي اضطرب، وخفتتْ نبرتُه قليلا، وتوقّعتُ أنه سيفهم كلام سيبويه بواسطة شرح السيرافي، وأنه سيرجع عن الخطأ لا محالة، لكنه أخلف ظنّي ومضى في طريقه السابق لا يلوي على شيء، والرجوع عند بعض الناس عار وخطيئة، والمكابرة أهون من الرجوع، فمضى وانتهى إلى حكم...”

قال بهاء الدين : ما زلت أجزم أن سيبويه لم يذكر الصوت الذي بين القاف والكاف، وأن هذا الصوت الذي ذكره ابن دريد وغيره يختلف عن الصوت الذي ذكره سيبويه بين الكاف والجيم أو بين الجيم والكاف، وأنك أخطأت في فهم كلام سيبويه وكلام السيرافي، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله.
أما حكمك علي بأن أخطأت واتهامك لي بالمكابرة وعدم الرجوع عن الخطأ فادعاء باطل، وقدح في المنهج العلمي الذي ينبغي أن تلتزم به، وقد تكرر هذا منك فصار سمة من سمات شخصيتك، وسأشير إليه في موضعه إن شاء الله.

4-    قال عبد الرزاق: ”  يبدو من كلام الدكتور بهاء الدين واندفاعه وادعائه ما تقدّم أن العلة في تقصيره في فهم نصوص القدماء تعود إلى اضطرابه فهم صوت القيف، فظهر لي أنه لا يعرف حقيقته! ولم يدرك أن الصوت الذي بين الجيم والكاف والصوت الذي بين الكاف والجيم والصوت الذي بين القاف والكاف المنصوص عليه في كتب عدد من الأقدمين هو صوت واحد: هو القيف، فهو صوت فرعي في العربية لثلاثة أصوات أصلية متقاربة المخرج، وهي: الجيم والكاف والقاف"

قال بهاء الدين: مرة أخرى تحيد عن الالتزام بالمنهج العلمي وتحكم بلا دليل أني مقصر في فهم نصوص القدماء ومضطرب في فهم الصوت محل النزاع، وأني لا أعرف حقيقته. وهذا لا يليق بك وأنت تتولى منصبا تعليميا مهما.
وأقول: أنت تخلط بين صوتين أشار إليهما القدماء وهما الصوت الذي بين القاف والكاف، والصوت الذي بين الجيم والكاف أو الكاف والجيم، فهما صوتان مختلفان في المخرج وفي الصفة وإن كانا متقاربين وسيأتي تفصيل ذلك بالأدلة لأكشف خطأك وخلطك إن شاء الله.

5-    قال عبد الرزاق:" . وسيبويه نصَّ على صوت القيف فرعا للجيم والكاف، ولكن لم يذكره فرعا للقاف، وإن كان كلامه في الكاف الفارسية يُشعر بذلك.

قال بهاء الدين: العبارة الدقيقة أن تقول: ذكر سيبويه الحرف الفرعي الذي بين الكاف والجيم ولم يذكر الصوت الذي بين القاف والكاف.
فإن كان الصوتان في نظرك صوتا واحدا فهو خطأ منك، فلا تنسب إلى سيبويه شيئا لم يقله في الحقيقة، فلا يجوز في المنهج العلمي الخلط بين ما هو حقيقة وواقع وما هو مجرد خيال في ذهن صاحبه، وسأبين خطأك بالأدلة إن شاء الله.

6-    قال عبد الرزاق: " وقد استدركه السيرافي في شرح الكتاب ونَصَّ على أنَّه هو الصوت الذي ذكره سيبويه في الجيم والكاف، وقد سمعه بنفسه من ناطقيه"

قال بهاء الدين: إذا كان السيرافي قد استدركه فهذا يعني أن سيبويه لم يذكره، وقد سبق أن ذكرتَ أن سيبويه ذكره، لذلك يجب أن تحرر عبارتك فتقول: الصوت الذي بين القاف والكاف لم يذكره سيبويه واستدركه السيرافي. أما قولك (ونص على أنه هو الصوت الذي ذكره في الجيم الكاف) فغير صحيح وفيه تحريف لكلام السيرافي. قال السيرافي في معرض بيانه أن الحروف المستقبحة أكثر مما ذكره سيبويه:
(ورأينا من يتكلم بالقاف بين القاف والكاف، فيأتي بمثل لفظ الكاف التي بين الجيم والكاف، والجيم التي كالكاف) انتهى كلامه.
ومعنى هذا أن هذا الصوت الذي بين القاف والكاف يشبه الكاف التي بين الكاف والجيم، أو الجيم التي كالكاف، لأن تقدير كلامه: فيأتي بلفظ مثل لفظ كذا، ولم يقل: إنهما صوت واحد، لأنه يستحيل أن يتطابق الصوتان مع اختلاف مخرجيهما، ولو أراد أن يجعلهما صوتا واحدا لقال: ورأينا من يتكلم بالقاف بين القاف والكاف، فيأتي بالكاف التي بين الجيم والكاف.

7-     قال عبد الرزاق: " .. فالقيف إذن صوت ينشأ بثلاثة طرق:
1-     الصوت الذي بين الجيم والكاف، ومثاله: گمل ورگل .. في جمل ورجل، وهو القيف
2- الصوت الذي بين الكاف والجيم، ولم يمثلوا له....
وقد ذكر السيرافي أن هذين الوجهين (الأول والثاني) شيء واحد...

2-     الصوت الذي بين القاف والكاف.... ومثّل له ابن دريد ببيت التميمي ( لا أگول لگدر الگوم)

 قال بهاء الدين: لي مع هذا النص وقفات:
 الوقفة الأولى: أنك نسيت نص قرار مجمعك القيفي العاشر لذلك أذكرك به، لتقرأه من جديد وإليك نصه :
(يرى مجمع اللغة الافتراضي أن الصوت الواقع بين القاف والكاف الذي جرى على ألسنة أقوامٍ كُثُر من العرب قديماً وحديثاً ووصفه ابن قتيبة وابن دريد وابن فارس وابن خلدون يستحق أن يسمى: (صوت القَيْف) .....  كما يرى المجمع أن الأصل في هذا الصوت هو القاف الفصحى)
 فقيفك المخترع هو الصوت الواقع بين القاف والكاف، وأن أصله القاف، وليس في قرار مجمعك أن القيف هو الصوت الواقع بين الكاف والجيم الذي أصله الجيم أو أصله الكاف.
لذلك عليك أن تحرر وصف قيفك المخترع بدقة.
الوقفة الثانية: أنه يستحيل عقلا أن يكون للصوت الواحد مخرجان مختلفان، كما يستحيل ذلك أداء ونطقا.
الوقفة الثالثة أن القدماء فرقوا بين الصوتين: الصوت الذي بين القاف والكاف، والصوت الذي بين الكاف والجيم، وإليك الأدلة:
الأول أن ابن دريد عندما ذكر الحرف الذي بين القاف والكاف والكاف والجيم – على غرابة وصفه- مثل له بجمل قال ابن دريد: وهي لغة سائرة في اليمن مثل (جمل) إذا اضطروا إليه قالوا (گمل) بين الجيم والكاف.
وعندما ذكر القاف التميمية قال: فأما بنو تميم فإنهم يلحقون القاف بالكاف فتغلظ جدا فيقولون (الگوم) يريدون القوم، فتكون بين الكاف والقاف.
فأنت ترى أنه جعل أحد الصوتين بين الكاف والجيم وأصله الجيم، وجعل الثاني بين الكاف والقاف وأصله القاف.
والثاني أن ابن فارس الذي نقل عن ابن دريد وإن كان نقله يختلف قليلا عما في الجمهرة فرق بين الصوتين كما فعل ابن دريد، فالجيم في (جمل) في اللغة اليمنية التي أشار إليها ابن دريد تنطق بين الكاف والجيم، أما القاف التميمية فتكون بين القاف والكاف.
والثالث أن السيرافي الذي استدرك على سيبويه الصوت الذي بين القاف والكاف فرّق بينه وبين الجيم التي بين الكاف والجيم عندما قال:(ورأينا من يتكلم بالقاف بين القاف والكاف فيأتي بمثل لفظ الكاف التي بين الجيم والكاف، والجيم التي كالكاف) فالصوتان متشابهان لكنهما ليسا صوتا واحدا، كما بينت سابقا في شرح عبارة السيرافي، ولو كان الصوتان صوتا واحدا لما جاء به السيرافي في معرض الاستدراك، ولاكتفى بأن يقول عند ذكر سيبويه للكاف التي بين الجيم والكاف: ورأينا من يجعل القاف كافا بين الجيم والكاف أو : ورأينا من يتكلم بالقاف بين الجيم والكاف.
فكلام السيرافي واضح وصريح، ولكن على عكس ما فهمت أنت، فلم يبلغ به الأمر أن يتصور وجود صوت واحد ذي مخرجين مختلفين.
الوقفة الرابعة: أنه لو سلمنا أن الصوت الذي اخترعت تسميته فدعوته (القيف) هو نفسه القاف التي بين القاف والكاف ، وهو نفسه الجيم التي بين الكاف والجيم، وهو نفسه الكاف التي بين الكاف والجيم، لو سلمنا بهذا التناقض وهذه الاستحالة فكيف تجعل للحروف الثلاثة رمزا كتابيا واحدا هو ذاك الرمز المخترع العجيب؟ إن ذلك لا يصح إلا إذا جعلته رمزا كتابيا خاصا بك وببحوثك الصوتية.
8-    قال عبد الرزاق: ( وفي كلام سيبويه نقص، والأكمل ما ذكره ابن دريد ومن أخذ عنه) وقال أيضا ( وابن دريد وتلميذه السيرافي كانا أدقّ من سيبويه)
قال بهاء الدين: لا نقص في كلام سيبويه فهو لم يسمع من العرب ولا من شيوخه القاف التي بين القاف والكاف، ولو سمعها واعتد بها لذكرها، فلا تفسير لهذا إلا بأحد أمرين إما أنه لم يسمعها من العرب ولا من شيوخه أو أنه سمعها من العرب ورآها دون الحروف المستقبحة فأهملها، وأرجح الأول لما عرف عنه رحمه الله من دقة واستقصاء، فهذه القاف التي يتحدث عنها ابن دريد لم تكن قد انتشرت بين العرب في عهد سيبويه .
ولم يبلغ السيرافي ولا أستاذه ابن دريد عشر ما آتى الله سيبويه من الدقة والتحقيق في فقه اللغة نحوا وصرفا وأصواتا.
9-    قال عبد الرزاق: ( فأنت حين تسمع مصطلح الجيم اليمنية أو المصرية أو القاف التميمية تعلم أنهما شيء واحد في الصوت، الأولى بين الجيم والكاف والثانية بين القاف والكاف، وكلاهما ينطق بصوت القيف بعينه)
قال بهاء الدين: كلام عجيب غريب كيف يدل سماع المصطلح على وحدة الصوت؟ ثم كيف ينطق ما يخرج من بين القاف والكاف كالخارج مما بين الكاف والجيم؟ إن القاف العامية التي اخترعت لها اسم القيف مخرجها مخرج الكاف لكنها مجهورة والكاف مهموسة، لأنه مثل (g) الإنكليزية، فهي من مخرج (k) ولكن الأولى مجهورة،  وأما الجيم اليمانية فهي إلى مخرج الجيم أقرب وليس فيها من التفخيم الذي نجده في القاف العامية في نجد وغيرها ...وكان عليك أن تجري تجارب في المعامل الصوتية لئلا تقع في مثل هذه التناقضات.

10-                 قال عبد الرزاق:  أما قول الدكتور بهاء إنه لم يطلع على قولٍ لابن قتيبة في هذا الصوت فما هو إلا من قلّة الاطلاع مع وجود الكتاب مطبوعا محققا متداولا بتحقيق نفيس هو تحقيق السيد أحمد صقر، ولا أعرف طالب علم مبتدئ في العربية يجهل هذا الكتاب النفيس.

قال بهاء الدين: تنقص شخص المحاور أسلوبُ مَنْ وهت حجته، ولا يليق بمن يبحث عن الحق ملتزما بالمنهج العلمي، وإتيانك بنص ابن قتيبة ذكرني بقولهم في المثل : سقط العَشاء به على سرحان.
إنك لو فهمت معنى قول ابن قتيبة لرميت بقيفك في عرض البحر وتبرأت من الدعوة إلى إدخاله في أصوات العربية، فهو يرى أن الحرف الذي بين القاف والكاف ليس من حروف العربية، وإنما هو من حروف الأعاجم، وسأشرح لك النص الذي أوردتَه أنت، قال ابن قتيبة:  (وألفاظ العرب مبنية على ثمانية وعشرين حرفا، وهي أقصى طوق اللّسان. وألفاظ جميع الأمم قاصرة عن ثمانية وعشرين ولست واجدا في شيء من كلامهم حرفا ليس في حرفنا إلا معدولا عن مخرجه شيئا، مثل الحرف المتوسط مخرجي القاف والكاف والحرف المتوسط مخرجي الفاء والباء)
فمعنى كلامه أن حروف العربية هي أقصى ما يحتمله جهاز النطق في الإنسان، فلا يوجد لدى العجم حرف لا يوجد عند العرب، فإن وجدت حرفا عند العجم غير موجود عند العرب _كالحرف الذي بين القاف والكاف والحرف الذي بين الباء والفاء _ فأصل ذلك الحرف عربي، لكنه عدل به عن مخرجه عند العجم، فابن قتيبة يرى أن الحرف الذي بين القاف والكاف وكذلك الحرف الذي بين الباء والفاء حرفان أعجميان أصل كل واحد منهما موجود في العربية، فهو لا يتكلم عن استعمال العرب لهذه الحروف، وإنما يريد أن يبين أن الحروف الأعجمية التي لا توجد في الحروف العربية أصولها عربية  لكن العجم عدلوا بها عن مخارجها.
11-                 قال عبد الرزاق ( ثم رأيت له تغريدة نصها: ((هل يتصور أن يكون مخرج أي حرف من مخرجين؟ كقول ابن دريد الحرف الذي بين القاف والكاف والكاف والجيم؟ وقال ابن فارس بين القاف والكاف والجيم)) فعلمت مراد الدكتور بالتخليط، وأيقنت أن التخليط لا يأتي من الشراب فحسب!!
قال بهاء الدين : عجبت ممن يستقيم في منطقه الجمع بين المتناقضات كيف يجرؤ على عرضها على الملأ !
سبق أن بينت أنك لم تفهم تغريدتي، ولأنك لم تفهمها نسبت إلي ما لم أقله، فلم أقل إن هذا تخليط من ابن دريد وإنما علقت ذلك بـ(لو صح هذا عنه) وشرط (لو) ممتنع كما ذكرت، ثم إن التخليط ليس في هذا الموضع فقط، وإنما في حديثه عن الياء التي تبدل جيما أيضا، فكلامه على ما هو في الجمهرة لا يصح عنه.
لكني أوافقك أن التخليط لا يأتي من الشراب فحسب، فكلامك هذا صائب، وكما قيل: مع الخواطي سهم صائب، وها أنت ذا تقر بأن ما في الجمهرة صحيح ودقيق .

12-                  قال عبد الرزاق:  فأين التخليط المزعوم يا دكتور بهاء؟ ألا تلاحظ دقة ابن دريد في وصف هذا الحرف وسائر الحروف التي ذكرها وحسن تمثيله ومتابعة العلماء له كالسيرافي وابن فارس؟ وألم تر أن  كل ما ذكره ابن دريد هو مما نعرفه اليوم في لهجاتنا في الجزيرة؟ لقد أحسن ابن دريد حين قال: ((الحرف الذي بين القاف والكاف والجيم والكاف))

قال بهاء الدين: كلام ابن دريد على هذا الوجه فيه تخليط، ونقل ابن فارس عنه (بين القاف والكاف والجيم) أيضا لا يصح ، ووصف ابن خلدون للكاف الفارسية أيضا (بين القاف والكاف والجيم) لا يصح، لما ذكرت من امتناع أن يكون للصوت الواحد مخرجان، فالكاف الفارسية كاف مجهورة فهي من مخرج الكاف مع الجهر، ومخرج القاف قبل مخرج الكاف من جهة اللهاة، ومخرج الجيم أدنى من مخرج الكاف إلى جهة الأسنان  فكيف يخرج حرف من بين هذه المخارج الثلاث، فهو إما أن يكون بين الكاف والجيم، وإما أن يكون بين القاف والكاف.
والذي يدقق في صفة الجيم اليمانية ويوازنها بالقاف في اللهجة العامية في نجد يلحظ الفرق فأثر الجيم واضح في اليمانية وأثر الجيم معدوم في القاف العامية.
وقد كان كلام السيرافي واضحا في التفريق بين الصوتين كما أوضحت، لذلك تستقيم عبارة ابن دريد لو جبرنا النقص فيها لتصير العبارة (ومثل الحَرف الَذي بين القاف والكاف والحرف الذي بين الكاف والجيم، ... مثل جمل إِذا اضطروا قالوا: گمل، بين الجيم والكاف ..) فذكر مثالا للحرف الثاني أولاً، وأخّر مثال الحرف الأول إلى أن قال: فأما بنو تميم فإنهم يلحقون القاف بالكاف فتغلظ جدا، فيقولون للقوم: الگوم، فتكون القاف بين الكاف والقاف. على عكس أسلوب اللف والنشر.
على هذا يصح، أما أن يكون الصوتان صوتا واحدا فمحال.

ثم أطال الدكتور عبد الرزاق في إيراد أقوال من ذكروا القاف التي بين القاف والكاف. ولا اعتداد بما ذكره المتأخرون فإنهم كانوا يصفون صوتا لهجيا في عصرهم.
 أما المتقدمون فإن سيبويه لم يذكره، وسبب عدم ذكره أنه لم يسمعه، أو سمعه واستبعده، ولم يشأ حتى أن يجعله في الحروف المستقبحة التي ذكرها، ومن أتى من بعد سيبويه وذكر هذا الحرف ذكره على أنه من اللغات المستقبحة التي لا يجوز استعمالها، فهي مذمومة مرذولة، وقد قال السيرافي عنها: وأظن الذين تكلموا بهذه الأحرف المسترذلة من العرب خالطوا العجم فأخذوا من لغتهم، ويؤيد هذا ما ذكره أبو عبيد البكري في فصل المقال (39) أن الفارسية ودين الفرس كان فاشيا في بني تميم، لذلك سمى العنبر بن عمرو بن تميم ابنته الهيجمانة، ومعناها الدرة بالفارسية، كما ذكره أبو عبيد ، وكذلك سمى لقيط بن زرارة ابنته دختنوس. قلت: وقصة رهن حاجب بن زرارة قوسه لدى كسرى ليأذن لبني تميم دخول ريف العراق مشهورة.
وقال السيرافي أيضا بعد أن ذكر الجيم التي تلفظ بين الكاف والجيم عند أهل اليمن وبغداد قال: وهي عند أهل المعرفة منهم معيبة مرذولة، فكيف تدعو يا دكتور عبد الرزاق  لتأصيل ما هو معيب مرذول؟
فهذه الأصوات مما استقبحته العرب وتجنبته في كلامها الفصيح، والدعوة إلى استعمالها ووضع رموز كتابية لها لِتتساوى مع الحروف الفصيحة أيضا دعوة مستقبحة .
بقي أن أذكر أمرا مهما يتعلق بالقاف المعقودة التي ذكرها أبو حيان في ارتشاف الضرب، ولا أعلم من استعمل صفة العقد للقاف قبل أبي حيان إلا ابن عربي في الفتوحات المكية، ولا يعني هذا أن ابن عربي أول من استعمل هذه الصفة مع أن كلام أبي حيان يوهم أن السيرافي استعملها، لكني لم أجدها في كلام السيرافي في شرحه للكتاب ذاك الذي نقله أبو حيان.
ومفهوم العقد عند ابن عربي على النقيض مما ذكره أبو حيان، فالقاف المعقودة عنده هي الفصيحة ، والقاف غير المعقودة هي التي بين القاف والكاف، وقد ذكر ذلك مستوفى صاحب المطالع النصرية ، وذكر أيضا خطأ كلام محشّي القاموس عند حديثه عن الجلنار، فقال صاحب المطالع عند حديثه عن الكاف الفارسية في الگلنار:
" وليست هي القاف المعقودة وإن ادعى مُحشِّى القاموس أنها هي - كما يؤُخذ من كلام ابن خلدون- فإِن الذي يفهم من كلام الشيخ الأكبر أن القاف المعقودة هي القاف الحقيقية، وأن التي بَيْنَ بَيْنَ هي غير المعقودة التي ذكرها الفقهاء في قولهم في شروط الفاتحة: "لو نطق بالقاف مترددة بين القاف والكاف أو الجيم .. إِلخ" وعبارة "الفتوحات المكية" في الصفحة "752" من الباب"295" من الجزء الثاني:
"وأما القاف التي هي غير معقودة فهي حرف بين حرفين بين الكاف والقاف المعقودة، ما هي كافٌ خالصة، ولا قافٌ خالصة، ولهذا ينكرها أهل اللسان، فأما شيوخنا في القراءة فإِنهم لا يعقدون القاف، ويزعمون أنهم هكذا أخذوها عن شيوخهم، وشيوخهم عن شيوخهم في الأداء، إِلى أن وصلوا إِلى العرب أهل ذلك اللسان، وهم الصحابة اِلى النبي - صلى الله عليه وسلم - كل ذلك أداء، وأما العرب الذين لقيناهم ممن بَقِيَ على لسانه ما تغير- كبنى فَهْم- فإِنى رأيتهم يَعْقِدون القاف، وهكذا جميع العرب. فما أدري من أين دخل على أصحابنا ببلاد المغرب تركُ عَقْدِها في القرآن؟ " انتهى كلام الشيخ الأكبر في الفتوحات (المطالع 217-218)
قلت : ربما انتشر المفهوم المخطئ للقاف المعقودة بسبب قراءة مخطئة لعبارة ابن عربي: (وأما القاف التي هى غير معقودة فهي حرف بين حرفين: بين الكاف والقاف المعقودة، ما هى كافٌ خالصة، ولا قافٌ خالصة) فربما قرئت خطأ بالابتداء بقوله: (والقاف المعقودة ما هي كاف خالصة ولا قاف خالصة) أي باقتطاع المعطوف عن المعطوف إليه، فانعكس المعنى.

وفي الختام أدعو الدكتور عبد الرزاق أن يشغل نفسه ومجمعه بما هو أجدى لصون اللغة الفصيحة، وأن يدع كل ما من شأنه أن يكون سببا في تأصيل العامي المرذول المستقبح المستبعد، والله أدعو أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
كتبه
بهاء الدين عبد الرحمن
مكة المكرمة

صباح الجمعة 29 شعبان 1434هـ

بعد أن نشرت ما هو مثبت أعلاه زودني الدكتور سامي الزهراني بنص نفيس للرماني في شرحه لكتاب سيبويه، أثبته هنا ليضاف إلى الأدلة التي ذكرتها على استقباح العرب للحروف التي ذكرها سيبويه لكي تجتنب "

قال الرماني:

(مسائل هذا الباب :

ما الذي يجوز في عدد حروف العربية وأحوالها ؟ ، وما الذي لايجوز ؟ ولم ذلك ؟
ولم جاز في عدد حروف العربية ثلاثة أقسام ؟ ، واﻷصل واحد منها ، وهي التسعة والعشرون حرفا ؟  ، والقسم الثاني: مستحسن ، وهو ستة أحرف؟ . ولم كان اﻷصل في هذه الستة تسعة وعشرين حرفا ؟ ولم كانت مستحسنة؟ وهي النون الخفيفة ، وهمزة بين بين ، واﻷلف الممالة ، وألف التفخيم ، والشين كالجيم ، والصاد كالزاي.
ولم كان القسم الثالث بحروف غير مستحسنة ؟ ولم جازت ؟ وماهي ؟ وهل هي الجيم كالكاف؟ والكاف كالجيم ؟ والجيم التي كالشين ؟ والضاد الضعيفة؟ والصاد التي كالسين؟ والطاء التي كالتاء ؟ والظاء التي كالثاء ، والباء التي كالفاء ؟ ولم جعل الجيم مع الكاف ، والكاف مع الجيم قسما واحدا ؟ ولم كانت هذه الحروف مستقبحة ؟ والفروع اﻷول مستحسنة؟ .. الخ 
الجواب ... : ( فأما اﻷحرف المستقبحة فإنها تجري مجرى اللثغة في العجز عن إخراج الحرف على حقه ، وهي : الكاف كالجيم ، والجيم كالكاف ، وهذا ضعيف ؛ جراء التباعد مابين الحرفين ، وهو دليل على العجز عن إخلاص الحرف على حقه ، والشين كالجيم ؛ ﻷنه ضد المطلوب ؛ إذ كانت الجيم أقوى من الشين ، وكذلك الطاء كالتاء ؛ لقوة الطاء بالاستعلاء واﻹطباق والجهر، والضاد الضعيفة ؛ للعجز عن إخراجها قوية على حقها ، والباء كالفاء من المقلوب ؛ لما في الفاء من الانتشار في الشين ، والصاد كالشين من المقلوب ؛ ﻷن الصاد أقوى بالاستعلاء واﻹطباق. فهذه سبعة أحرف غير مستحسنة ؛ لما بينا من أنها تجري مجرى اللثغة ، إلا أنها لما كانت في جماعة كبيرة من العرب بينها ليعرف المذهب فيها ؛ ويفصلها من المستحسنة ، وبين أنها لاتجوز في القراءة كما يجوز الحرف اﻷول ؛ وإنما جعل الجيم مع الكاف ، والكاف مع الجيم قسما واحدا ؛ ﻷنه ليس فيه إلا التقديم والتأخير ، وكلاهما مستقبح ؛ لتباعد الحرفين).



ليست هناك تعليقات: