.

2016/01/12

علم الاكتساب اللغوي

  1 - الاكتساب الطّبيعيّ (natural Acquisition ) :
      الاكتساب اللّغويّ هو الإجراء الذي يمتلك بفضله الإنسان القدرة على التّواصل بلغة مّا، سواء باعتباره باثّا أو متقبّلا أو الاثنين معا. ويهتمّ الاكتساب اللّغويّ بطبيعة الكفاية التّواصليّة التّي تحصل تدريجيّا عند الطّفل ومقوّمات اكتسابها وظروفها ومدّتها ومُعوِّقاتها و إذا كانت الكفاية المكتسبة تتعلّق بلغة واحدة أو بلغتين فأكثر . فينظر في خصوصيّة الاكتساب الثّانويّ بالنّسبة إلى اكتساب اللّغة الأولى ومدى تأثير اكتساب الكفاية اللاّحقة في الكفاية السّابقة.
وينتمي هذا العلم بالأساس إلى مجال علم النّفس ومن بعض وجوهه إلى علم النّفس الاجتماعيّ والتّربويّ والإدراكيّ.
 1-1 : الاكتساب الطّبيعيّ للغة الأمومة:
لا يدخل الاكتساب الطّبيعيّ للغة الأمومة ضمن مجال الاكتساب اللّغويّ باعتباره علما قائما على الملاحظات الانطباعيّة في شأن تدرّج الأطفال في اكتساب اللّغة التّي نجدها مبثوثة في كتب الأقدمين منذ عهود ازدهار حضارتي الهند والصّين ثمّ اليونان والعرب رغم اختلاف تناولها إلاّ من باب التّأريخ لما قبل المرحلة العلميّة لهذا الفرع من العلوم النّفسيّة. وقد طغى الفكر الأسطوريّ أو الدّينيّ على تلك الملاحظات في تفسير اكتساب الطّفل اللّغة عند الهنود والصّينيّين، تباعا ، في حين كان اليونان يقرنون بين اللّغة والكفايات الإدراكيّة الأخرى ويعتبرونها جميعها خلقيّة يتميّز بها الإنسان عن سائر الحيوانات. وإذا ما اعتبرنا كذلك احتفاظ القواميس العربيّة بآثار ما لاحظه العرب من تدرّج في اكتساب الطّفل اللّغة تشي به المفردات التّي تصف ما يخرج من فم الرّضيع أو الطّفل أو الصّبيّ من أصوات، من قبيل «ببب» و«صصص» و«ققق» ثمّ تطوّر تلك الأصوات لتصبح كلمات من قبيل «بجبج» و«ببع» و«دبع» و«دَعْبَعْ» و«داح» و«غمغم» و«بَأْبَأَ» وشبه جمل من قبيل «اللّغو» و«الإنغاء» و«النَّفْط» و«الثغّثغة» فإنّ بوسعنا القول إنّ لكلّ شعوب الأرض ملاحظات تهمّ الاكتساب في مرحلة ما قبل التّناول العلميّ. ويعود ذلك إلى أهميّة هذه المرحلة في حياة الطفل للتّثبت من خلوّ جسمه وعقله من العاهات التّي قد تعيق حياته في المستقبل مثل عيوب النّطق أو البَكَم. [انظر باب «الأمراض اللّغويّة»].
 أمّا البحوث العلميّة، فيُؤرَّخ لها ابتداء من العمل المنتظم الذي أنجزه عالم الفسلجة الألمانيّ براير (W. Preyer) في القرن التّاسع عشر حين دوّن في يومياته كلّ مراحل نموّ ابنه منذ ولادته حتّى بلوغه سنّ الثّالثة ونشر يوميّاته سنة 1882 في كتاب عنوانه ذهن الطفل: ملاحظات حول نموّ ذهن الإنسان في السّنوات الأولى من الحياة :
Preyer (W ) ,Die Seele des Kindes : Beobachtungen über die geistige Entwicklung des Menschen in den ersten Lebensjahren, Th. Griebens Verlag, Leipzig 1882.2
وقد تناول الكتاب نموّ الحواسّ الخمس وتطوّرها وصنّف مراحل الاكتساب. وتسمّى هذه الطّريقة قي كتابة اليّوميات التّي تُدوَّن فيها الملاحظات اليوميّة عن مراحل نموّ الطّفل واكتسابه التّدريجيّ للنّطق والفهم وتركيب شبه الجمل ثمّ الجمل ، مرورا بأغلب مراحل اللّغة وتعقيداتها بالطّريقة الأفقيّة أو المنهج الخطيّ. ولم يطرأ على هذه الطّريقة تطوّر ذو بال ما عدا الانتقال من الملاحظات التّي لا تهمّ إلاّ طفلا واحدا إلى ملاحظة تطوّر اكتساب اللّغة عند عدّة أطفال يعيشون في ظروف متشابهة ثمّ في ظروف مختلفة، إلى أن جاء عالم النّفس الأمريكي سكينر (B.F. Skinner) بنظريّته السّلوكيّة (Behaviorism) التّي ركّز فيها الاهتمام على عامل الحافز الخارجيّ وردّ فعل الطفل و التي اعتمد فيها التكييف لتفسير عمليّة الاكتساب كمحاكاة تجارب الكبار على غرار ما تفعله الحيوانات في أخذها مختلف المهارات عن أمّهاتها. وقد طرح نظريّته في كتابه السّلوك اللّفظيّ (Skinner (B.F.), Verbal Behaviour, 1957 ) الذي قدّمه تشومسكي فنقده نقدا لاذعا (Chomsky (Noam), «A Review of B. F. Skinner’s Verbal Behavior» in Language, 35, n°1, 1959, pp. 26-58.) وبشّر فيه بمنهجيّة جديدة في تناول الاكتساب اللّغويّ سُمّيت في ما بعد بالطّريقة العموديّة أو منهج الكفاية والأداء (competence-Performance). وقد طرح تشومسكي وجوب التخلّي عن الأصوات والكلمات موضوعا للاكتساب في تساوق مع النّظريّة العقلانيّة القائلة بأنّ الطفل يولد بملكة التّركيب الكونيّ فلا يكتسب إلاّ النّحو الخاصّ باللّغة التّي يترعرع في محيطها.
 ومهما يكن من صواب ما طرحه تشومسكي أو من خطئه فإنّه أحدث ثورة ومنعرجا في تناول مسألة الاكتساب اللّغويّ الذي اقترن منذ ذلك الحين بالعلوم اللّغويّة. وارتبط الاكتساب اللغّويّ بنظريّات لسانيّة مختلفة ك«التّوليديّة» ومختلف مناحي تطوّرها و«الوظيفيّة» و«التداوليّة» و«اللّسانيات النّصيّة وتحليل الخطاب» ، وصولا إلى النّظريّة «العرفانيّة» التّي تجد رواجا كبيرا في أيّامنا.
 أمّا ملاحظة تشومسكي في شأن اكتساب الطفل للجملة وليس للكلمة فإنّه لا بدّ من الإشارة إلى أنّ ابن خلدون قد سبقه إلى ذلك عند تحليله الظواهر اللّغويّة في العمران. يقول في «المقدّمة» (الفصل السّادس والأربعون : "في أنّ اللّغة ملكة صناعيّة" ): «اعلم أنّ اللّغات كلّها ملكات شبيهة بالصّناعة ـ إذ هي ملكات في اللّسان للعبارة عن المعانى وجودتها وتصوّرها بحسب تمام الملكة أونقصانها. وليس ذلك بالنّظر إلى المفردات وإنما هو بالنظر إلى التّراكيب».( هذه الفكرة لعبد القاهر الجرجاني نقلها عنه ابن خلدون هنا دون ذكر المصدر ) .
 1-2 : الاكتساب الطّبيعيّ للّغة الثّانية:
 في مجال الاكتساب الطّبيعيّ، يشير اكتساب اللّغة الثّانية إلى اللّغة التي يتزامن اكتسابها مع اكتساب اللّغة الأمّ الأولى وتعُدّ لغة ثانويّة أو مقترنة بسياقات ظرفيّة أو يلي اكتسابها اكتساب اللّغة الأولى .وهكذا تكون تلك أوّل لغة أجنبيّة يمتلكها الطّفل الذي يصبح ،بموجب ذلك، مزدوج اللّغة. وتهمّ هذه الطّريقة في الاكتساب اللّغويّ لدى الأطفال ، كما يمكن أن تهمّ من تجاوزوا سنّ الطّفولة.
 ولا يكون اكتساب اللّغة الثّانية ، في هذا السّياق ، بوساطة التّعليم المدرسيّ أو غير المدرسيّ أو أيّ شكل من أشكال التّلقين المنتظم بل بالانغماس في محيط لغويّ ثان تشبه ظروف الاكتساب فيه ظروف اكتساب اللّغة الأولى.
 وتنهض مقارنة مجموعة الظّروف المذكورة موضوعَ درسٍ لمجال الاكتساب الطّبيعيّ للّغة الثّانية قصد التّعرّف إلى مدى تطابق المحيطين واختلافهما ومدى تأثير اكتساب لغة أولى سلبا أو إيجابا في عمليّة اكتساب اللّغة الثّانية. وقد كان ابن خلدون يرى أنّ هذه الطّريقة تدخل الضّيم على الملكة الأولى: «فالمتكلّم من العرب حين كانت ملكته اللّغة العربيّة موجودة فيهم يسمع كلام أهل جيله وأساليبهم في مخاطباتهم وكيفيّة تعبيرهم عن مقاصدهم كما يسمع الصّبيّ استعمال المفردات في معانيها فيَلْقَنُها أوّلا ثمّ يسمع التّراكيب بعدها فيَلْقَنها كذلك. ثمّ لا يزال سماعهم لذلك يتجدّد في كلّ لحظة ومن كلّ متكلّم واستعماله يتكرّر إلى أن يصير ذلك ملكة وصفة راسخة ويكون كأحدهم.» (ابن خلدون، «نفسه») وهو ما يراه الكثيرون من الباحثين اليوم، في حين يشكّك آخرون في سلبيّة اكتساب اللّغة الثّانية
 Ingram (D.), First Language Acquisition : Method, Description and Explanation, Cambridge University Press, Cambridge 1989.9
 وثمّة من يذهب إلى طرح فرضيات غير واقعيّة مثل حرمان الطّفل من تعلّم اللّغة الأولى ثمّ وضعه في محيط لسانيّ بعد تجاوزه سنّ الثّالثة لدراسة مدى قدرته على الاكتساب بعد فوات سنّ اكتساب اللّغة الأولى، كما أنّ ثمّة من يتساءل عمّا يمكن أن يحدث لو قُلب ترتيب اكتساب اللّغتين لمعرفة إن كان لطبيعة اللّغة الأولى (لغة دمجيّة أو إعرابيّة أو تحليليّة أو لغة عازلة) تأثير في اكتساب اللّغة الثّانية.
 ونظرا إلى نجاعة البحوث في الاكتساب الطّبيعيّ للّغة الثّانية ومردوديّتها العالية ، يرى المتخصّصون أنّ لها أهميّة كبرى في تحديد أحسن المناهج لاكتساب اللّغات اصطناعيّا و تدريس اللّغات الأجنبيّة (كتدريس العربيّة لغير الناطقين بها).
 ومثلما هو شأن اكتساب اللّغة الأولى اقترن البحث في اكتساب اللّغة الثّانية بالنّظريّات اللّسانيّة كالتوليديّة والوظيفيّة والتداوليّة والنّظريّات غير اللّسانيّة كعلم الاجتماع النّفسيّ للّغة والعرفانيّة وعلم الأعصاب.
 2-الاكتساب الاصطناعيّ :
 يشير الاكتساب الاصطناعيّ إلى تعلّم لغة مّا بالتّلقين والتّمارين وليس بالإدماج في محيط اللّغة المعنيّة. لذلك غالبا ما يحدث خلط في الأذهان بين اكتساب لغة أجنبيّة بالتعلّم واكتساب لغة ثانية بالطّريقة نفسها . والتّمييز بين اللّغتين مهمّ ، لأنّ تعلّم لغة أجنبيّة يحدَّد بالأهداف ونسبة الاستعمال كالتّواصل الظّرفيّ الذي تحكمه العلاقات المهنيّة أو السّفر للسّياحة أو التّجارة ، بيد أنّ اكتساب لغة ثانية قد يهمّ اللّغة المكتوبة أي لغة الحضارة والثّقافة والأدب والفنون والاتّصالات كما هو شأن العربيّة الكلاسيكيّة في مقابل لهجة من لهجاتها. ولا يمكن بأيّ حال اعتبار العربيّة لغة أجنبيّة في مستوى الإنجليزيّة أو الفرنسيّة ـ فضلا عن أنّ اللّغة الأولى التّي يكتسبها العربيّ ليست سوى لهجة من لهجاتها. لذلك يكتسي اقتراح فرجيسون ( Ferguson ) التّمييز بين الازدواجيّة (كفاية التّخاطب بلغتين) والثّنائيّة (كفاية التّخاطب باللّغة وبإحدى لهجاتها) كلّ معناه.
 يتفرّع اكتساب اللّغة الثّانية اصطناعيّا إذن إلى اكتساب لغة أجنبيّة من ناحية واكتساب لغة في علاقة استرسال (Continuum) مع اللّغة الأولى، من ناحية ثانية. ويُبرَّر هذا التّفريع بأنّ الاكتساب في الحالتين المعنيّتين لا يخضع للإجراءات العمليّة التربويّة منها والنفسيّة ذاتها . ورغم أنّ اكتساب كلتا اللّغتين الأجنبيّة وغير الأجنبيّة يتحقّق نظريّا وتطبيقيّا ضمن المنظومة التّربويّة المعتادة في التعلّم، أي بالتّلقين والتّمرين والتّقويم بالتخطئة والتّصويب ويمرّ بمراحل أطول فلا بدّ من تمييز اكتساب لغة من منظومة واحدة كالعربيّة بالنسبة إلى لهجاتها من اكتساب لغة أجنبيّة. وقد لاحظ العلماء ، في هذا الصّدد ، أنّ اكتساب لغة ثانية قبل اكتمال اكتساب اللّغة الأولى يمكن أن يؤدّي إلى إرباك لغويّ يصاحب المتعلّم طول حياته.
 أمّا إذا كانت اللّغتان في حال استرسال فإنّ مفعول الانتقال من نظام إلى نظام يبدو ، نظريّا ، أخفّ وطأة.
 أمّا في مجال اكتساب العربيّة لغة أجنبيّة فإنّ العلاقة بين النّظريّة والتّطبيق تبدو موازية لتلك التي تحكم الاكتساب الطّبيعيّ وتختلف المقاربات بحسب النّظريات اللّسانيّة وغير اللّسانية. أمّا ما يلفت الانتباه فهو ظهور ما يسمّى بالعربيّة الوسيطة ونماذج أخرى جديدة من اللّهجات العربيّة «المهذّبة» مطروحة اليوم على متعلّمي العربيّة من غير النّاطقين بها ، كما تتيح الوسائل المتعدّدة الوسائط ظروفا لاكتساب اللّغات الأجنبيّة تقترب كثيرا
من ظروف الاكتساب الطّبيعيّ. وقد تخلق خانات وسطى تقرّب بين الاكتساب الطّبيعيّ والاكتساب الاصطناعيّ.
 - ترميم لغة الأمومة أو استعادتها :
 قد تخضع لغة الأمومة إلى الاكتساب الاصطناعيّ في حال فقدانها ظرفيّا مع فقدان الذّاكرة بعد غيبوبة طويلة أو بعد إصابة في الدّماغ (خاصّة زمن الحروب) .وقد تتحدّد العمليّة في ترميم أجزاء من اللّغة بالتّلقين من جديد حسب آليات اكتساب اللّغات الأجنبيّة أو كليّا إذا كان فقدان اللّغة كليّا.
 وقد يعاد اكتساب الكفاية اللّغويّة في لغة الأمومة اصطناعيّا في حال الإصابة بمرض من الأمراض اللّغويّة سواء كان مرضا خِلقيّا أو عرضيّا. 

ليست هناك تعليقات: