.

2016/01/04

المشترك اللفظي عند القدماء والمحدثين


المشترك اللفظي عند القدماء والمحدثين

دراسة نظرية وتطبيقية

المشترك اللفظي homonymy  


ملخص البحث:
تشكِّل الألفاظُ العربية المشتركة المعاني، مع ما صدَر لها من شروح، ودار حولها من مناقشات - جزءًا مهمًّا من تراثنا اللُّغوي والأدبي، غيرَ أنَّ موقف الباحثين واللغويين العربِ حِيالَ هذه الألفاظِ، وحديثَهم عن طبيعتها وعن أهميتها ودورها في مجال التعبير، كان - وما يزال - خلافيًّا غيرَ مستقرٍّ، كما أنَّ الكتب المحتوية على هذه الألفاظِ تنقصها المنهجيةُ، ويُعْوِزها التنظيمُ؛ وهذا ما جَعل من هذه الألفاظ قضيةً لغويَّة جديرة بالدراسة، لا سيما وأنَّ الظروف اللغوية الراهنة تقضي بالبحث عما يثْري اللغةَ، ويبعث على التمكُّن منها.


وهذا البحث يعالج هذه القضيةَ من زوايا مختلفةٍ: لغويةٍ، وأدبيةٍ، وبلاغية، معالجةً تعتمد الفحصَ، والتحليل، والطرح الموضوعيَّ، ومناقشةَ الآراءِ، وَفْقَ منهجٍ نقديٍّ جديد، يهدف بالدرجة الأولى إلى إيجاد حلول جَذرية للخلاف الدائر حول الألفاظ المشترِكة المعاني في اللغة العربية، كما يَسعى إلى توضيح طبيعة نشوئها، وإثبات أهميتها ومدى فاعليَّتها في مجالات التعبير في حياتنا الحاضرة.

هذا كله، بالإضافة إلى ما يثيره هذا البحث من أسئلة وموضوعات تتعلَّق بجوانبَ جديرةٍ بالدراسات المستقبلية؛ مِن مِثل: ارتباط المشترَك اللفظي بالقرآن بنوعيه القديم والحديث، وارتباطه ببعض الأساليب البلاغية؛ كالمجاز، والتورية، والاستعارة، والجناس، وأخيرًا ما يمكن أن تكون له مِن صلة بمستقبل المصطلح العلمي.

المقدمة

المشترك اللفظي علامةٌ واضحة في اللغة العربية، وهو بكثرته خصِّيصة لها، وعاملٌ من عوامل تنميتها، وقد تنبَّه العلماء له، وأشاروا إلى شواهده، والمعاني التي تدور ألفاظُه حولها.

المشترك اللفظي عكس الترادف، ويشمل: المشترك والتضاد، والمداخل والمسلسل، وقد فطن العربُ للفروق الدقيقة، وجعلوا لكل حالٍ لفظَها: "فيقال لولد الظبية حين تضعه: طَلاً، فإذا قوي فهو شادِنٌ، ثمَّ خِشْف، ثمَّ رشَأ ، ثمَّ شَصَر حين يطلع قرناه، ثمَّ غزال، فإذا طال قرناه وافترقا، فهو أشعب"؛ (توفيق شاهين، 15:1980).

فباب البحث الدلالي في علاقته بالألفاظ مِن أشرف الأبواب التي تناولها العلماء المسلمون في كتبهم، واهتدَوا في دراستهم لها إلى نتائجَ يُعتمد عليها في فهم النصوص الشرعية واستنباط الأحكام منها، يقول ابن جني في (باب الرد على من ادَّعى على العرب عنايتَها بالألفاظ وإغفالَها المعاني): "اعلم أنَّ هذا الباب من أشرف فصول العربية وأكرمها، وأعلاها وأنزهِها، وإذا تأملتَه عرفتَ منه وبه ما يؤنقك، ويذهب في الاستحسان له كل مذهب بك؛ وذلك أن العرب كما تُعنى بألفاظها، فتصلحها وتهذبها وتراعيها، وتلاحظ أحكامها بالشعر تارة، وبالخطب أخرى، وبالأسماع التي تلتزمها وتتكلف استمرارها، فإن المعاني أقوى عندها، وأكرم عليها، وأفخم قدرًا في نفوسها.

فأول ذلك عنايتها بألفاظها؛ فإنها لما كانت عنوانَ معانيها، وطريقًا إلى إظهار أغراضها ومراميها، أصلحوها ورتَّبوها، وبالغوا في تحبيرها وتحسينها؛ ليكون ذلك أوقعَ لها في السمع، وأذهبَ بها في الدلالة على القصد، ألا ترى أنَّ المثل إذا كان مسجوعًا لذَّ لسامعه فحفظه، فإذا هو حفظه كان جديرًا باستعماله، ولو لم يكن مسجوعًا لم تأنس النفس به، ولا أنقت لمستمعه، وإذا كان كذلك لم تحفظه، وإذا لم تحفظه، لم تطالِب أنفسها باستعمال ما وُضع له وجِيءَ به من أجله"؛ (ابن جني : 1/15، 16).

تُعدُّ ظاهرة المشترك اللفظي - مثلُها في ذلك مثلُ الترادف - مشكلةً من مشاكل العلاقات الدلالية، مصطلحٌ يطلقه الدرْسُ الحديث على ظواهرَ متعددةٍ، تشرح العلاقات بين الكلمات في اللغة الواحدة، ومن نواحٍ عدَّة، نحو أن يكون معنيان أو أكثرُ للفظٍ واحد، فتسمَّى العلاقة هنا (المشترك اللفظي)؛ لكونها تسير خلافًا للوضع المثالي للَّغة، الذي يقتضي أن يكون للَّفظ الواحد معنًى واحدٌ، وللمعنى الواحد لفظٌ واحد، وسنشرح فيما سيأتي آراء من علماء القدماء والمحْدَثين ومؤلفي المعاجم الأوروبية في ظاهرة المشترك اللفظي.

إن منهجنا في عرض ظاهرة المشترك اللفظي عند القدماء والمحدثين، يقوم على أساس تفكيكها، والاطِّلاع على أسسها العلمية؛ لنعيد تشكيلها تشكيلاً يحفظ لها طابِعَها المعرفيَّ الأصيل، برؤى تتطلَّع إلى استفادة تَخْدُمُ العصر، وتحرِّك فاعلية تلك الأصولِ التراثية الدلالية، وتساعد على تنمية قدراتها في عصرنا، خاصةً إذا علِمنا أن المشترك اللفظي يرتبط بعلم الدلالة حديثًا، الذي يَلقى من بالغ الاهتمام في عصرنا في كل أنحاء العالم، ما يجعله نقطةَ الْتقاء لأنواع من التفكير الإنساني، يقول (ليش: Leach): "السيمانتيك نقطةُ التقاء لأنواع من التفكير والمناهج؛ مثل: الفلسفة، وعلم النفس، وعلم اللغة، وإن اختلفت اهتماماتُ كلٍّ لاختلاف نقطة البداية".

ويقع هذا البحثُ في قسمين: قسمٍ حول آراء القدماء، وقسم عند المحدثين، حاولتُ أن أبسط فيها معالم المشترك اللفظي قديمًا وحديثًا، بالبحث عن نشأته منذ عام 150 هجرية في القرآن والحديث الشريف واللغة العربية، ثم عند المحدثين وعلاقته بعلم الدلالة الذي يعتني بدراسة المعنى، واصطلح على تسميته "بالسيمانتيك" سنة 1883م.

كما اجتهد البحث أن يرسمَ إطارًا مفهوميًّا لماهية المشترك اللفظي، انطلاقًا من قواميس اللغة، وورودها في القرآن الكريم، وأقوال بعض العلماء العرب القدامى، وبعض علماء الدلالة المحدثين من الغرب والعرب، وقدمت أهم المباحث التي تشكل موضوعات المشترك اللفظي، وختمت ذلك بفصلٍ عرضتُ فيه لمختلف نظريات المشترك اللفظي، التي أسَّست الفكرَ الدلالي الحديث.

وهذه الدراسة تبحث هذه الجوانبَ في إطار نقديٍّ مختصَر جديد، تسعى إلى أن تكون فيه بعيدةً عن تلك الاستطرادات والسَّرْديات والأُطروحات المتكررة، التي حفلتْ بها معظمُ الدراساتِ أو الكتاباتِ السابقة ذات الصلة بالقضية، كما تطمَح إلى أن تكون حافزة وممهِّدة لدراسات مستقبلية أكثر عمقًا وشموليةً واتساعًا.

حدُّ المشترك اللفظي:
أ - المشترك لغويًّا:
"الشِّرْكَةُ والشَّرِكة سواء: مخالطةُ الشريكين، يقال: اشترَكنا بمعنى: تَشارَكنا، وقد اشترك الرجلان، وتَشارَكا وشارَك أَحدُهما الآخرَ... وشاركْتُ فلانًا: صرْتُ شريكَه، واشْتركنا وتَشاركنا في كذا، وشَرِكْتُه في البيع والميراث... قال: ورأَيت فلانًا مُشتركًا، إذا كان يُحَدِّث نفسه أنَّ رأيه مُشْتَرَكٌ ليس بواحد.

وفي "الصحاح" للجوهري: رأيتُ فلانًا مُشْتَرَكًا، إذا كان يحدِّث نفسه كالمهموم... وطريقٌ مُشْتَرَك: يستوي فيه الناس، واسم مُشْتَرَك: تشترك فيه معانٍ كثيرةٌ، كالعين ونحوها؛ فإنه يجمع معانيَ كثيرةً"؛ (ابن منظور، مادة: شرك).
"وقد اشتركا وتشاركا وشاركَ أحدُهما الآخَرَ، والاشتراك هنا بمعنى التشارُك، قال النابغة الجَعْديُّ:
وَشَارَكْنَا قُرَيْشًا فِي تُقَاهَا
وَفِي أَنْسَابِهَا شِرْكَ الْعِنَانِ
ورجل مشترَكٌ: إذا كانَ يحدِّث نفسه أنَّ رأيَه مشترَكٌ ليس بواحِدٍ، وفي "الصِّحاح" عن الأصمعي: إِذا كانَ يحدِّث نفسَه كالمهموم.
وطريقٌ مشترَكٌ: يَستوي فيه الناس، واسمٌ مشترَكٌ: تَشترِك فيه مَعانٍ كثيرةٌ؛ كالعين ونحوِها؛ فإنه يَجمَع معانيَ كثيرةً، وأنشد ابنُ الأعرابي:
وَلاَ يَسْتَوِي الْمَرْءَانِ هَذَا ابْنُ حُرَّةٍ
وَهَذَا ابْنُ أُخْرَى ظَهْرُهَا مُتَشَرِّكُ
فسَّره فقال: معناه مشترَكٌ.

وشَرِكَهُ في الأمر يَشْرَكُه: دَخل معه فيه وأَشْرَكَه فيه، وأَشْرَكَ فلانًا في البيع: إذا أدخله مع نفسه فيه، وقوله – تعالى -: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي [طه: 32]؛ أي: اجعله شريكًا لي"؛ (الزبيدي، مادة ش ر ك).

ب- المشترك اصطلاحًا:
للمشترك اللفظي حدود شتى، أهمها:
قول الزبيدي في مقدمة "تاج العروس": إنه "اللفظُ الواحد الدالُّ على معنَيَيْن مختلفين فأكثر، دلالة على السَّواءِ عند أهلِ تلك اللغة".

وقولُ زكريا بن محمد الأنصاري: "ما وُضع لمعنيين فأكثر، كالقرء للطُّهْر والحيض"؛ (زكريا بن محمد الأنصاري 1411هـ).

قال السرخسي: "وأما المشترك، فكلُّ لفظ يشترك فيه معانٍ، أو أسامٍ، لا على سبيل الانتظام؛ بل على احتمال أن يكون كل واحد هو المرادَ به على الانفراد، وإذا تعيَّن الواحد مرادًا به، انتفى الآخر؛ مثل اسم (العين)؛ فإنه للناظر، ولعين الماء، وللشمس، وللميزان، وللنقد من المال، وللشيء المعين، لا على أن جميع ذلك مراد بمطلق اللفظ، ولكن على احتمال كون كل واحد مرادًا بانفراده عند الإطلاق؛ وهذا لأن الاسم يتناول كل واحد من هذه الأشياء، باعتبار معنًى غيرِ المعنى الآخر، وقد بيَّنا أن لفظ الواحد لا ينتظم المعاني المختلفة"؛ (السرخسي: 1/126).

أما الشوكاني، فحدَّه بقوله: "اللفظة الموضوعة لحقيقتين مختلفتين، أو أكثر، وضعًا أولاً، من حيث هما كذلك.

فخرج بالوضع ما يدل على الشيء بالحقيقة وعلى غيره بالمجاز، وخرج بقيد الحيثية المتواطئُ؛ فإنه يتناول الماهياتِ المختلفةَ، لكن لا مِن حيث هي كذلك؛ بل من حيث إنها مشتركة في معنى واحد"؛ (الشوكاني 1992م: 46).

بينما يذهب تاجُ الدين السبكيُّ إلى أنه "اللفظ الواحد، الدالُّ على معنيين مختلفين أو أكثر؛ دلالة على السواء عند أهل تلك اللغة، سواءٌ كانت الدلالتانِ مستفادتينِ من الوضع الأول أو من كثرة الاستعمالِ، أو استُفِيدتْ إحداهما من الوضْع والأخرى من كثرةِ الاستعمالِ.

ومن قولنا: "الواحد" احترازٌ عن الأسماء المتباينة والمترادفة؛ فإنه يتناول الماهية، وهي معنى واحد، وإن اختلفتْ محالُّها.
وقولنا: "عند أهل تلك اللغة..." إلى آخره، إشارةٌ إلى أن المشترك قد يكون بين حقيقتين لغويتين، أو عرفيتين، أو عرفية ولغوية"؛ (تاج الدين السبكي، 1404هـ:  1/248).

أما عبدالرحيم الإسنوي، فجعل لكلامه عن المشترك مقدمةً نافعة في الفرق بين الوضع والاستعمال والحمل، قائلاً: "فالوضع: هو جعل اللفظ دليلاً على المعنى، والاستعمال: هو إطلاق اللفظ وإرادة المعنى، وهو من صفات المتكلم، والحمل: اعتقاد السامع مرادَ المتكلم، أو ما اشتمل عليه مراده، وذلك من صفات السامع"؛ (مجلة علوم إنسانية، 2009، السنة 7:  العدد 42).

وبالنظر إلى ما تقدَّم في الحد الاصطلاحي للمشترك، يلاحَظ نوعُ تفاوتٍ في احتراز العلماء لما يدخل ضمن حد المشترك حقيقة، مما لا يدخل ضمنه، وفقًا لضابط الوضع، أو الاستعمال، أو الحمل، وبناء على هذا الخلاف في تصوُّره، كان التأليف فيه عند القدماء - كما سيتضح بعده.

المشترك اللفظي عند القدماء:
قبل أن أبدأ بالتعاريف عن هذا الموضوع، أقول مختصرًا عن تاريخ تأليف المشترك اللفظي عند القدماء:
كتبَ القدماءُ كتبًا كثيرةً في اللغة العربية عن هذه الظاهرة منذ وقت مبكر، فمنهم مَن:
1- اتَّجَهوا إلى دراسته في القرآن الكريم.
2- اتجهوا إلى دراسته في الحديث النبوي الشريف.
3- اتجهوا إلى دراسته في اللغة العربية ككل.
من هذه الكتب على حسب قِدَمِها في القرآن الكريم:
1- الوجوه والنظائر في القرآن الكريم، لمقاتل بن سليمان البلخي، المتوفى سنة 150هـ.
2- الوجوه والنظائر في القرآن الكريم، لهارون بن موسى الأزدي الأعور، المتوفى سنة 170.
3- الوجوه والنظائر، للحسين بن محمد الدامغاني.
4- معترك الأقران في إعجاز القرآن، للسيوطي، الذي خصص للمشترك في القرآن الكريم القسم الأعظم من كتابه.
5- كتاب ما اتفق لفظه واختلف معناه في القرآن المجيد، للمبرد.

مِن  الكتب في الحديث الشريف:
كتاب الأجناس من كلام العرب، وما اشتبه في اللفظ واختلف في المعنى، لأبي عبيدٍ القاسم بن سلاَّم المتوفى سنة 224هـ، وكتابه الآخر "غريب الحديث" وهذا ليس بالضبط له.

مِن  الكتب في اللغة العربية ككل:
كان من رواده: الأصمعي واليزيدي وأبو العميثل، وكتابه بعنوان: "كتاب ما اتفق لفظه واختلف معناه"، وكراع النمل وكتابه "المنجد في اللغة"، أشار المؤلف إلى أهمية هذا الكتاب كالآتي:
أنه أقدم كتاب شامل يصلنا في موضوع المشترك اللفظي.
أنه أول كتاب في نوعه تبدو فيه روح النظام، وبخاصة في قسميه الأول والسادس.
أنه من أوائل الكتب اللغوية التي راعتْ في ترتيب المادة اللغوية صورةَ الكلمة التي تنطق عليها، لا جذرَها.
كتابه يعدُّ أقدمَ مصدر لها.
أنه يحتوي على مجموعة لا بأس بها من التعبيرات المحلية، وبخاصة تلك المنسوبة إلى الجنوب العربي، وطنه الأول، ولمصر، وطنه الثاني.

أشار المؤلف إلى نموذج من الكلمات في المشترك اللفظي، وقاسها عن كراع وأبي العميثل وأبي عبيدٍ والأصمعي.

مفهوم المشترك اللفظي عند الأصوليين واللغويين:
ولعل تعريف أهل الأصول للمشترك هو أدق ما يُحد به، ويسمون بالمبادئ اللغوية مثل المشترك، والمتضاد، والمترادف، ومعاني الحروف، فالمشترك عندهم: "اللفظ الواحد الدال على معنيين فأكثر على السواء عند أهل تلك اللغة"؛ (صبحي الصالح، 1960: 302)، وذكروا أن الاشتراك في الأفعالِ كما في (راح: بمعنى ذهب ورجع)، والحروفِ مثل (مِن الجارَّةُ: تكون للابتداء، وللتبعيض، والواو: للعطف والحال)، والأسماءِ مثلوا له بعين الماء ، وعين المال، وعين السحاب.

يفرق علماء أصول الفقه الإسلامي المشترك عادة بين ثلاثة مصطلحات تتعلق بالمشترك اللفظي:
1- وجوب وقوعه، ودليلهم أنه: "لو لم تكن الألفاظ المشتركة واقعةً في اللغة، لخلتْ أكثر المسميات عن الألفاظ الدالة عليها، مع دعوة الحاجة إليها".
2- استحالة وقوعه عقلاً بدعوى "إخلاله بالتفهيم المقصود من الوضع؛ لخفاء القرائن".
3- إمكان وقوعه؛ لفقدان الموانع العقلية على وقوعه فعلاً.

وخلاصة رأي الأصوليين والفقهاء في الاشتراك اللفظي، من حيث الوقوع وعدمه، هي:
1- جواز وقوع المشترك في الكلام مطلقًا (أي: في القرآن، والسنة، وغيرها).
2- نفي وقوعه مطلقًا، كقول ثعلب والأبهري والبلخي: وما ظن أنه مشترك، فهو إما حقيقة، أو مجاز متواطئ؛ كالعين: حقيقة في الباصرة، مجاز في غيرها.
3- ونفَى قومٌ وقوعَه في القرآن الكريم (وأنه واقع فيما عداه).
4- ونفى آخرون وقوعه في القرآن والسنة النبوية؛ لأنه لو وقع، فإنْ بيَّن فيطول بلا فائدة، وإن لم يُبِن فلا يفيد، والقرآن والسنة تنَزَّها عن ذلك؛ (توفيق محمد شاهين، 1980: 122).

نجد عند اللغويين وجود المشترك اللفظي في اللغة العربية بإجماعهم، وأن الاستعمال دليل الاشتراك، وأن النقل لا يبطل ذلك (توفيق محمد شاهين:1980: 107).

ومن هؤلاء: سيبَوَيْهِ حيث قال: "اعلم أن من كلامهم اتفاق اللفظين واختلاف المعنيين".

وابن فارس، قال: "باب أجناس الكلام في الاتفاق والافتراق: يكون ذلك على وجوه... ومنه اتفاق اللفظ واختلاف المعني؛ كقولنا: عين الماء، وعين المال، وعين الركية، وعين الميزان".

ويرد قول سيبويه وابن درستويه والمبرد وإبراهيم أنيس، الذين مثلوا لاتفاق اللفظين واختلاف المعنيين بأقوالهم.

وأخيرًا:
يطلق لُغويُّو العربيةِ القدماءُ مصطلحَ "المشترك اللفظي" على كل أنواع اللفظ الذي يدل على أكثرِ من معنى، سواء أتقاربت معانيه أم اختلفت، ويترتب على ذلك أن كل معاني كلمات "عين" الموجودة في المعاجم تعدُّ من قبيل المشترك، وتعطَى مدخلاً معجميًّا واحدًا في المعاجم، سواء تلك التي تقاربت معانيها؛ مثل: الجاسوس، والعضو الباصر، وفم القربة، أو تلك التي ليس لها صلة بهذه المعاني؛ مثل: الاعوجاج في الميزان، والمطر الذي يجيء ولا يقلع أيامًا، والسحابة التي تأتي من جهة القبلة.

والظاهر أن علماء الأصول تفوَّقوا على اللغويينَ القدماءِ في البحث في المشترك اللفظي بتفريقهم الدقيق بين المشترك والمنقول، وهو تفريق يدعو إلى ضرورة إعطاء مداخلَ معجميةٍ للمشترك اللفظي الحقيقي، تبعًا لعدد المعاني التي يدل عليها، في حين يُكتفى بمدخل معجمي واحد للمنقول، أما المستعار، فلا يدوَّن عادة في المعاجم إلا إذا أصبح من الاستعارات الميتة، وبذلك يصبح من المنقول.

تعريف اللغويين المحدثين للمشترك اللفظي:
هو ما اتحدتْ صورة لفظة، واختلف معناها (صبحی الصالح: 302)، أو هو أن تتعدد المعاني للَّفظ الواحد، وأما الدکتور وافي في کتابه "فقه اللغة" فقد قال عن المشترك اللفظي: "وذلك بأن يکون للكلمة الواحدة عدةُ معانٍ تطلق علی کل منها علی طريق الحقيقة لا المجاز" (عبدالواحد حسن الشيخ، 1986: 96)، أما إبراهيم أنيس فله رأي متشدد في هذه القضية؛ إذ يُخرج النوعين الأول والثاني من المشترك نهائيًّا، ولا يَعتبر من النوع الثالث - وسوف يأتي الشرح لهذه الأنواع في موضعها - إلا ما تباين فيه المعنيان كلَّ التباين، يقول: "كذلك إذا ثبت لنا من نصوص أن اللفظ الواحد قد يعبِّر عن معنيين متباينين، سمَّينا هذا بالمشترك اللفظي، أما إذا اتضح أن أحد المعنيين هو الأصل، وأن الآخر مَجازٌ له، فلا يصح أن يعد مثلُ هذا مِن المشترك اللفظي في حقيقة أمره".

ويذهب إلى أكثرَ من ذلك، حين أقرَّ أحقية ابن درستويه عندما أنكر معظمَ تلك الألفاظِ التي عدَّت من المشترك اللفظي، واعتبرها من المجاز؛ ولذلك فالمشترك الحقيقي إنما يكون حين لا نلمح أية صلة بين المعنيين، كأن يقال لنا مثلاً: إن (الأرض) هي الكرة الأرضية، وهي أيضًا الزكام، وكأن يقال لنا: إن (الخال) هو أخو الأم، وهو الشامة في الوجه، وهو الأكمة الصغيرة، ومثل هذه الكلمات التي اختلف فيها اختلافًا بيِّنًا، قليلة جدًّا؛ بل نادرة ولا تتجاوز أصابع اليد عدًّا.

أما رأي إبراهيم أنيس فيما يتعلق بالنوع الرابع، فيقبله دون تحفظ، حين قال: "هناك كلمات تستعمل في الأصل مختلفة الصورة والمعنى، ثم تطورت صورة بعض منها حتى ماثلت البعض الآخر، وهكذا رُويت لنا متَّحدةَ الصورة، مختلفة المعنى الأصلي، وإنما نشأ عن تغير في أصوات بعضها، ترتب عليه مماثلة في اللفظ، واختلافٌ أصلي في المعنى".

وقد ردَّ أحمد مختار عمر رأيَ إبراهيم أنيس، معلقًا على ما ذهب إليه قائلاً: "وإذا كان لنا مِن تعليقٍ على رأي الدكتور أنيس، فإنه يتلخص فيما يأتي:
أولاً: أنه رغم تضييقه الشديد لمفهوم المشترك اللفظي في كتابه "دلالة الألفاظ"، وقصره المشتركَ الحقيقي على كلمات لا تتجاوز أصابعَ اليد، والمشتركَ بمعناه الواسعِ على كلماتٍ لا تتجاوز العشَرات، نجدُه في كتابه في اللهجات العربية يصرح أن المعاجم العربية قد امتلأت بها، وأن ما نشأ عن التطور الصوتي المئات.
قال د. أنيس: فکما تتطور أصوات الکلمات، وتتغير معانيها، وتتغير مع احتفاظها بأصواتها؛ (عبدالواحد حسن الشيخ، 1986: 100) فهذا التطور يغير في المعاني، ويحتفظ بشکل الكلمة ونطقها، مما يَنتج عنه کلمات مشترکة نطقًا، مختلفة فی المعنی.
ثانيًا: عدمُ استقراره على رأيٍ واحد بالنسبة للكلمات التي نشأت عن تطور صوتي.
ثالثًا: كونه ادَّعى أن العلماء لم يشيروا إلى التطور الصوتي كعامل من عوامل نشوء المشترك وحدوثه.
رابعًا: مزجَ بين المنهجين الوصفي والتاريخي في علاج قضية المشترك، وكان الأَولى أن يقتصر على أحدهما.

أما صبحي الصالح - مِن المحدَثين أيضًا - فيستدل على وقوع المشترك في اللغة بالتطور وتباين المواقف، يقول: "الكلمات لا تستعمل في واقع اللغة تبعًا لقيمتها التاريخية، فالعقل ينسى خطوات التطور المعنوي التي مرتْ بها، إذا سلمنا بأنه عرَفها في يوم من الأيام، وللكلمات دائمًا معنى حضوريٌّ ومحدود باللحظة التي تستعمل فيها، ومفرد خاص بالاستعمال الوقتي الذي تستعمل فيه".

وهو رأي قريب مما قال به أبو علي الفارسي قديمًا، حيث قال: اتفاق اللفظين واختلاف المعنيين، ينبغي ألا يكون قصدًا في الوضع، ولا أصلاً؛ ولكنه من لغات تداخلت، أو أن تكون لفظة تستعمل لمعنى، ثم تُستعار لشيء، فتكثر وتصير بمنزلة الأصل؛ (صبحي الصالح: 305).

أسباب وقوع المشترك اللفظي عند القدماء:
يُرجع القدماءُ - كما ذكر كراع في كتابه " المنجد" - وقوع المشترك إلى أسباب كثيرة، منها:
1- الأسباب الداخلية، وهي تنقسم إلى تغيير في النطق والمعنى؛ تغيير النطق عن طريق القلب المكاني والإبدال، وأما التغيير في المعنى فهو نوعان: مقصود، وتلقائي.
2- الأسباب الخارجية، وهي اختلاف البيئة.
كما يُرجع اللغويون ذلك إلى أسباب جغرافية وتاريخية، وسنشرح ذلك فيما بعد.

وللشرح والتمثيل يرجع أحمد مختار إلى الموارد التالية:
1- السبب الخارجي: يتحققه حينما تستعمل الكلمة بمعنيين في بيئتين مختلفين.

كما يرجع اللغويون وقوع المشترك إلى أسباب جغرافية وتاريخية، نلخصها فيما يأتي:
أولاً: الأسباب الجغرافية: يذكر أبو علي الفارسي أن تداخلَ اللغات - يقصد اللهجات العربية - سببٌ من أسباب وقوع الاشتراك في العربية، وينفي أن يقع في لهجة واحدة.
ثانيًا: الأسباب التاريخية: لعلَّ أشهرَ مَن علَّل ظاهرةَ الاشتراك على أساس تطور صوتي هو اللغوي إبراهيم أنيس، فقد حاول أن يفسر كلمات مثل "السغب" (في دلالتها على الوسخ والدرن، وكذلك القحط والجوع) بالقول: إنها "تطورت في لهجة من اللهجات، ولظرف من الظروف الخاصة، حتى أصبحت (التغب) من المشترك اللفظي"، مستأنسًا في ذلك بما تفعله بعض القبائل اليمنية حين تقلب السين تاء، كما في قولهم: "النات"، بدلاً من "الناس"، ثم "جاء جامعو المعاجم ونسبوا معنيين مختلفين لكلمة (التغب)، وعدُّوها من المشترك اللفظي".

وبِغضِّ النظر عما إذا كان إبراهيم أنيس قد وفِّق أو أخفق في معرفة السبب الحقيقي الذي جعل كلمة (السغب) ونحوها من المشتركات اللفظية، فإن المنهج الذي اتَّبعه في الوصول إلى ذلك إنما هو منهج تأصيلي غير موضوعي، يعتمد على الحس الشخصي، ولا يشركه فيه المختصون في اللغة.

ويَذكر بعض اللغويين - ومنهم أبو علي الفارسي -: أن المجاز أحد أسباب وقوع المشترك اللفظي، وهذا رأي غير مقبول، إذا سلمنا بالتفريق بين المشترك والمنقول؛ لأن المعاني المجازية التي يرتبط بها اللفظ إنما نشأ عن تطوره والتوسع فيها، فنقل اللفظ إليها، وليست بأي حال مما تساوتْ فيه المعاني في استحقاق اللفظ كما أوضحنا.

2- تغيير النطق عن طريق القلب المكاني، كما يمثله كراع، هو:
استعمال المادتين "دام ودمى"، حكى كراع أن "دام" في باب استفعال: استدام، ويستعمل بمعنى استدمى.
فِعل خَطا وخَاط، وبقلب "خطا" إلى "خاط"، صارت الكلمة الأخيرة من المشترك اللفظي.

3- تغيير النطق عن طريق الإبدال سبَّب تكوين كلمات كثيرة من المشترك اللفظي، ومن أمثلته:
أ- الكلمتان حنك وحلك، عن طريق إبدال اللام نونًا صارتا كلمة واحدة بمعنيين مختلفين.
ب- الكلمتان آلة وحالة أيضًا.
4- التغيير المقصود للمعنى، عندما يراد إدخال كلمةٍ ما لغةَ المتخصصين، فتصبح مصطلحًا علميًّا.
5- التغيير التلقائي للمعنى، فيحدث حين توجد علاقة بين المعنيين، فإذا كانت العلاقة بين المعنيين هي المشابهةَ، كان المعنى الجديد استعارةً، وإلا كان مجازًا مرسَلاً؛ مثل: بشرة، تعني جلد الإنسان حقيقيًّا، وبمعنى النبات استعاريًّا؛ لعلاقة المشابهة، أو الكلمة (بعصوصة) بمعنى دويْبَة صغيرة لها بريق من بياضها حقيقيًّا، وتطلق على الصبي لصغر خلقه وضعفه مستعارًا، كما قال كراع.

وأمثال للمجاز، وهي:
أ- توسيع المعنى، مثل كلمة ساق.
ب- تضييق المعنى، مثل كلمة المأتم.
ت- السببية، مثل كلمة الإثم.
ث- إطلاق اسم الجزء على الكل، مثل كلمة اللسان.
ج- إعطاء الشيء اسم مكانه، كلمة الراوية، كانت بمعنى الجمل الذي يحمل قربة الماء، ثم أصبحت تعني القربة نفسها.

أسباب المشترك اللفظي عند المحدثين:
لا تختلف أسباب المشترك اللَّفظي كثيرًا عند المحدثين كما سبق ذكرُه عند القدماء، ولكن يضاف أنَّ من أسبابه حدوث تطوُّر صوتي يؤدِّي إلى تطابق لفظين، نحو: bird الإنجليزية، كانت تعني قديما: الطَّائر صغير السّنّ، أمَّا الآن فهي تُطْلق على أيّ طائر.

و Boycott كانت اسمًا لمالك أرض إيرلندي (1832 - 1897) أساء معاملة المستأْجِرين فقاطعوه، وقد أصبح اسمُه يطلق فيما بعدُ على المقاطعة، أو رفْض القيام بعمل كنوع من الاعتِراض.

ويذكر إبراهيم أنيس أسبابًا أُخرى، مثل:
سوء فهم المعنى، وبخاصَّة من الأطفال.
والاقتراض من اللغات الأجنبيَّة، فقد يحدث أن تطابق الكلمة المقترضة كلِمة كانت موجودة في اللغة من قبل فتكون معها مشتركًا لفظيًّا.
حدوث تطوّر في معاني الكلمات على مستوى اللَّهجات.

يقارن الدكتور عبدالكريم مجاهد في كتابه "الدلالة اللغوية عند العرب" بين المشترك اللفظي عند العرب والمشترك اللفظي عند الغربيِّين، ويخلص من مقارنتِه إلى أنَّ هناك نقطة التِقاء بيْننا وبينهم ونقطة افتراق، وفي الوقت نفسه يلمّح إلى المنهج الَّذي اتبعه العرب في دراسة المشترك اللفظي، والمنهج الَّذي اتبعه الغربيُّون، وموقف اللغويين المحدثين من ذلك، فيقول: "ويبدو أنَّ الغربيِّين في دراستهم للاشتراك يفصلون بين مصطلحين، هما: Polysemy ويعني: تعدّد المعنى للكلمة، وهذا أقرب لمعنى المشترك في العربيَّة، والثاني: Homonymy هو مجموعة من الكلِمات لا علاقة بينها سوى اتّفاقها في الصيغة أو الشَّكل، وهو أقرب إلى الجناس التَّام عندنا.

الفرق بين المشترك اللفظي (الهومونيمي) Homonymy وبين تعدّد المعنى (البوليزيمي) Polysimie: كلاهما يقوم على مبدأ الاشتراك، غير أنَّ تعدّد المعنى يشير إلى كلِمة واحدة لها أكثر من مدلول، نحو كلمة "عمليَّة" أو "عين"، في حين أنَّ المشترك اللفظي يدلّ على اتفاق في اللفظ مشافهة أو خطًّا أو كليهِما معًا.

ومن المعايير التي ذكرها أحمد مختار عمر للتَّمييز بينهما:أ- إذا كانت كلمات المشترك اللفظي تَملك النطق نفسه ولكن بهجاء مختلف، مثل (hir مع heir، و reed مع read… فإنَّ اختلاف الهجاء كافٍ بِجَعل الكلِمات من المشترك اللَّفظي، مع أنَّ بعض اللُّغويِّين اعترضَ على ذلك بالمثال (flower وflour)، وهُما يَختلفان معنًى وهجاء وأصلُهما واحد.

ب- أمَّا إذا كانت الكلِمة تَملك نفس النطق والهِجاء وتتعدَّد معانيها، فينبغي اللُّجوء إلى المعيار الدلالي، فإذا وجدتْ علاقة مشابهة بين المعنَيين فهما لكلمة واحدة تطوَّرتْ على سبيل المجاز، مثل كلمة "البشرة" و"بعصوصة"، وهكذا يتَّضح أنَّ الفرق بيْنهما هو بين وجود كلِمة واحدة - في تعدّد المعنى - تطوّر معناها عن طريق الاستعمال أو المجاز حتَّى صار لها معْنَيان أو أكثر من جهة، ووجود كلِمَتين أو أكثر من أصول مختلفة تلاقت في النطق أو الكتابة أو في كليهما معًا، فظهر من ذلك اتّفاق ظاهر في الصيغة من جهة أخرى.

ويتَّضح هذا الفرق أكثر لدى علماء المعاجم، حيثُ يفصلون بيْنهما بوضع متعدّد المعنى في مدخل معْجمي واحد؛ لأنَّه مادَّة واحدة أصلا، ووضْع المشترك اللفظي في مداخل متعدِّدة لأنَّ موادَّه متعددة.

ج- والسياق هو الَّذي يعيِّن أحد المعاني المشتركة للَّفظ الواحد، وهذا السّياق لا يقوم على كلِمة تنفرد وحْدَها في الذِّهن، وإنَّما يقوم على تركيب يوجد الارتباط بين أجزاء الجملة، فيخلع على اللَّفظ المعنى المناسب، ويُمكن التَّفريق بيْنهما أيضًا بالبحث عن المعنى المرْكزي أو لبِّ المعنى، وحيث تكون الكلِمة من (تعدّد المعنى)، فإنَّه من الطَّبيعي أن يكون لها عددٌ من المترادفات، كلّ منها يماثل واحدًا من معانيها، مثل "الغروب" في الأبيات.

الخليل بن أحمد كما روى السيوطي، ثلاث مرَّات على  قافية واحدة، يستوي لفظها ويختلف معناها (توفيق محمد شاهين،320:1980):
يَا وَيْحَ قَلْبِي مِنْ دَوَاعِي الهَوَى
إِذْ رَحَلَ الجِيرَانُ عِنْدَ الغُرُوبْ

أَتْبَعْتُهُمْ طَرْفِي وَقَدْ أَزْمَعُوا
وَدَمْعُ عَيْنَيَّ كَفَيْضِ الغُرُوبْ

بَانُوا وَفِيهِمْ طِفْلَةٌ حُرَّةٌ
تَفْتَرُّ عَنْ مِثْلِ أَقَاحِي الغُرُوبْ
وليس متعذّرًا أن يفهم من وحْي السياق أنَّ الغروب الأوَّل: غروب الشَّمس، والثاني: جمع غَرْب، وهو الدلْو العظيمة المملوءة، والثَّالث: جمع غَرْب، وهو الوهاد المنخفضة.

أنواع المشترك اللفظي عند المحدثين:
نظر المحدثون في المشترك اللفظي، وجعلوه أربعة أنواع:
1- أن يوجد معنى مركزي للفظ ترتبط به عدَّة معان فرعيَّة أو هامشيَّة، وسيتَّضح أكثر المعنى المرْكزي والمعنى الهامشي في تناوُلِنا للحقول الدّلاليَّة، وبإيجاز الكلمة: المعنى المركزي هو الكلمة الَّتي يُمكن أن تندرج تحت معناها كلمات أخرى لها معانٍ جزئيَّة أو هامشيَّة، نحو كلِمة هلال:
رأيتُ هلال الليلة.
فلان لا يبصِر هلال حذائه، ولا يقطع هلال أصابعه، فالمعنى المركزي هو (الهلال) بشكْلِه المعروف، والبقيَّة ذوات معان هامشيَّة.

وذهب أحمد مختار عمر في توضيحه عن Nida في كتابه Componential Analysis of Meaning أمثلة بالعبارات الإنجليزيَّة.

2- أن يتعدَّد المعنى نتيجة لاستِعْمال اللَّفظ في مواقف مختلفة، وهو قريب من السَّابق، ويسمَّى أيضًا (تغْييرات الاستعمال)، مثل كلمة : الصَّرف، ويُمكن تمثيل هذه الكلِمة في الجمل الآتية:
يهتمّ طلبتُنا بعلم النحو، ويزْهدون في دراسة الصَّرف.
تهتمّ الهيئات البلديَّة بالصَّرف كثيرًا، في برنامج هذه السنة.
الرَّي والصرف موضوعان أساسيَّان في (الهيدروليك).
لا تكاد تخلو أي مدينة من سوق الصَّرف هذه الأيَّام.
لاحظ تغيّر معانيها بتغيّر استعمالها.

3- أن تدلَّ الكلمة الواحدة على أكثرَ من معنًى نتيجة لتطوُّر يعتريها في المعنى، وهو الَّذي يسمّيه اللغويّون (تعدّد المعنى) بسبب تطوّر معنى الكلِمة، ولا يعدُّ من المشترك، نحو كلمة (عمليَّة) التي تطوَّر معناها إلى (عمليَّة جراحية، عمليَّة استراتيجيَّة، عملية في صفقة تجارية، عمليَّة اغتيال …).
ورأْي أولمان أنَّ هناك طريقين رئيسين تتبعهما الكلمات لاكتساب معانيها المتعددة:
1- التَّغيير في تطبيق الكلِمات واستِعْمالها، ثمَّ شعور المتكلّمين بالحاجة إلى الاختِصار في المواقف والسياقات الَّتي تتكرر فيها الكلمة تكرارًا ملحوظًا.

2- الاستعمال المجازي أو نقل المعنى، نحو كلمة "لسان" التي تُطلق على اللغة.

التَّغيير في المعنى (مقصود وغير مقصود):
المقصود: يتمّ في البيئات العلْميَّة من أجل وضع مصطلحات علميَّة.
غير المقصود: أن تكسب كلمةٌ ما دلالةً جديدة، وتبقى دلالتُها الأولى مستعملة فيحدث الاشتراك بين الدّلالتَين (العين هي الباصرة) ثمَّ استعملتْ عين الماء، الجاسوس .. إلخ.

3- أن توجد كلمات تدلّ كلّ منها على معنى مستقلّ، ويحدث أن تتَّحد صورة كلِمتين لتطوّر في النطق مثلا أو تشابه، نحو: ضاع، يضوع المسك، يضيع المال..، وغيرها.

تحدث المحدثون عن المشترك اللَّفظي ولَم يأتوا بجديد، فرأَوا نشأة المشترك إمَّا من اختِلاف الاستِعْمال باختلاف القبائل، أو قد يکون من وراء فکرة الحقيقة والمجاز؛ لأنَّ اللفظ الواحد يتعدَّد معناه فيشتهر بعضُها دون بعض، (فيقرّ في نفس المتکلم والسَّامع أنَّ هذا المعنى الشَّهير هو الأصل، وأنَّ المعاني الأُخَر أقلّ منْه ارتباطًا بهذا اللَّفظ، وذلك کالعَين مثلاً وما يندرج تحتَها من ألفاظ مجازيَّة منقولة عن حقيقة العين التي هي الباصرة، وفي النّهاية ترجع نشأة المشترك إلى ظروف الاستِعْمال، لا إلى الوضع)؛ عبدالواحد حسن الشيخ، (1986 : 100).

معايير الفصل بين الهومونيمي والبوليزيمي
أهمّ ما طرح من آراء اللّغويين على الفصْل بينهما فيما يأتي:
إذا كانت كلِمات المشترك اللَّفظي تَملك نفسَ النُّطْق ولكن بهجاءٍ مُختلف، مثل: hair مع heir أو read مع read.

إذا كانت كلِمات المشترك اللَّفظي تملك نفْس النطق والهجاء، وتتعدَّد معانيها، فقد اقترحت الوسائل الآتية:
اللجوء إلى المعيار الدلالي، وإذا لم توجد علاقة دلاليَّة بين المعنَيين فليس هناك مشكلة؛ لأنَّ كلاًّ منهُما كلِمة مستقلَّة، حدث بطريق الصُّدفة أنها تملك نفس النطق والكتابة، أمَّا إذا وجدت العلاقة أو المشابهة فهُما كلمة واحدة تطوَّرت، إمَّا تطوّرًا بطيئًا بمرور الزَّمان أو سريعًا عن طريق المجاز.

المشكلات التي تحوط هذا المعيار كثيرة، ومنها:
فقد يكون أحَد المعنَيين متفرِّعًا في الأصل عن الآخر بطريق المجاز.
طريقة رسم الحدود بين المعاني من جهة: اعتباطي أو تحكُّمي أو ذاتي.
صعوبة التَّطبيق.
اتّخاذ أجزاء الكلام كمِعْيار لفصْل الهومونيمي من البوليزيمي.

اقتراح أولمان معيار المشترك اللَّفظي ثلاث شعب، هي:
وجود المشتقات من اللفظين دليل على أنَّهما مادَّتان مختلفتان، نحو: balle مشتقَّاته ballon, ballot.
وجود اسمَين مختلِفَين تحت موضوعَين مختلفين، نحو: suit بمعنى: دعْوى تُقام على الشخص، و suit بمعنى حلة.
إمكان إجراء اختِبار ردِّ الفعل عند المتكلِّمين المواطنين لتقريرٍ ما...


ج- النَّظر إلى اللغات الأخرى من أجل المقارنة، إذا كان هناك لغة أُخرى تضع لفظَين لما تضع له الإنجليزيَّة لفظًا واحدًا مثل: uncle الإنجليزيَّة في اللغة العربيَّة أخو الأب وأخو الأمّ، فيجب على هذا الاقتِراح اعتبارُها من الهومونيمي؛ لأنَّ هناك لغات أُخرى تعبّر عن هذَين المعنيَين بلفظَين مستقلَّين مثل اللغة العربية التي تستعمل "عم" و "خال"، وهذا اقتراح Chapin.

د- إذا كان اللَّفظان يَملكانِ ملمحًا دلاليًّا مشتركًا وهو بوليزيمي، وإن لَم يوجد أيّ ملمح مشترك وهو هومونيمي.

و- وجود الحقْل الدلالي هذا لتمييز كلِمات النَّوعين، نحو برتقالي تخصّ حقل اللَّون وتخصّ ثمرة الفاكهة، ولكن المشكل الأساسي تحديد الحقول الدلاليَّة.

ز- وجود التَّرابُط بين النَّوعين، "البوليزيمي" يجب أن تكون كلماته مترابطة بخلاف "الهومونيمي".

والتَّرابط نوعان (أحمد مختار محمد، دون سنة: 173):
1- ترابُط تاريخي.
2- ترابط عقْلي أو نفسي.
"يكون المعنيان مترابِطَينِ تاريخيًّا إذا أمكن ردُّهما إلى نفس الأصل، أو كان أحد المعنَيَين مأخوذًا عن الآخر، ويكونان مترابطَين عقليًّا إذا كان المستعْملون المعاصرون للّغة يشعرون أنَّهما مترابطانِ وأنَّهما استِعْمالان مختلفان لنفْس الكلِمة".

المشترك اللفظي واقعٌ في اللغة، وكثيرٌ من كبار المفسِّرين اعترفوا بوقوع المشترك اللفظي في القرآن الكريم واللغة العربية، ففي القرآن مثل كلِمة: (أمر).

قال القرطبي -رحمه الله - ما نصُّه (ج2 ص 88، 89): قال علماؤنا: الأمر في القرآن يتصرَّف على ثلاثةَ عشرَ وجهًا:
1- الدّين: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ [التوبة: 48]؛ أي: دين الله.
2- القول: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ [هود: 40]؛ أي: قولنا، ومنه ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى [طه: 62]؛ أي: قولهم.
3- العذاب: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ [الأنعام: 58]؛ أي: وجب العذاب بأهل النار.
4- عيسى ابن مريم: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [البقرة: 117]، يعني عيسى، وكان في عِلْمه أن يكون من غير أبٍ، ومثلها: ﴿قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ [آل عمران: 47].
5- القتل: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ [غافر: 78]، يعني القتل، وقوله: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي المِيعَادِ وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [الأنفال: 42]، يعني: قتل كفَّار مكَّة.
6- فتح مكَّة: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [التوبة: 24]، يعني فتْح مكَّة.
7- قتل قريظة وجلاء بني النَّضير: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [البقرة: 109].
8- القيامة: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل: 1].
9- القضاء: ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ [يونس: 31]؛ أي: القضاء.
10- الوحي: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [السجدة: 5 ]، يعني تنزيل الوحْي من السَّماء إلى الأرض، وقوله: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ [الطلاق: 12]؛ أي: الوحْي.
11- أمر الخلق: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [الشورى: 53].
12- الذنب: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا [الطلاق: 9]، يعني جزاء ذنبها.
13- الشأن والفعل: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ [هود: 97 ]؛ أي: فعله وشأنه.

من المشترك اللفظي في القرآن الكريم كلمة (نُكر)، وقد وردت في القرآن الكريم على ستَّة أوجُه:
1- "نكِرَهُ" بكسر الكاف و "أنكرَهُ" ضدّ عرفه، فمن الأوَّل: ﴿فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ [هود: 70]، ومن الثاني: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا [النحل: 83].
2- "نُكر" بضمّ النون وسكون الكاف أو ضمّها، كلاهما بمعنى: المنكر الَّذي لا تألفه النَّفس ولا تستريح إليه، فمن الأوَّل: ﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً [الكهف: 74]، وقِس عليه (87) الكهف، (8) الطَّلاق، ومن الثاني: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ [القمر: 6].
3- نكَّرت الشيء بمعنى: غيَّرته وزنًا ومعنى؛ ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا [النمل: 41]؛ أي: غيِّروا معالمه لئلاَّ تهتدي إليه.
4- النَّكير كظريف، ومعناه: الإنكار، ومنه: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ [الحج: 44]؛ أي: فكيف كان إنكاري عليكم؟! ومنْه أيضًا قولُه تعالى: ﴿مَا لَكُم مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍ [الشورى: 47]؛ أي: لا تستطيعون إنكار ما اقترفْتموه من الذنوب.
5- "أنكر" في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ [لقمان: 19] ومعناها: أقبح الأصوات.
6- "المنكر" بفتح الكاف: اسم مفعول من الرباعي المهموز، وقد وردتْ في الكتاب الكريم آياتٌ كثيرة تذْكر المعروف والمنكر متقابلَين، فالمعروف: ما عرفه الشَّرع ورضِيه وأمر به، كالصَّلاة وصِلة الرَّحِم وطاعة الوالدَين، والمنكر: ما أنكره الشَّرع ولم يقبلْه وتوعَّد عليه، كالزِّنا والرِّبا وعقوق الوالدَين.

أمَّا "المنكر" في قوله تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وَجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنكَرَ [الحج: 72]؛ أي: إنكار القرآن حين تُتلى عليهم آياته، وهي هنا مصدر ميمي.
وأمَّا "المنكر" في قوله تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المُنكَرَ [العنكبوت: 79]، فالمراد إتيان كلِّ ما يُخالف الشَّرع والخلق الكريم، وأمَّا "منكرون" في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ [الحجر: 62] أي: مَجهولون عندي غير معروفين.

في اللغة العربية المشترك اللَّفظي قد لعِب دورًا خطيرًا، فكان مادَّة صالحة للتَّورية والتَّجنيس عند المشغوفين بالمحسّنات اللَّفظيَّة، مثل كلمة "العجوز" في قصيدة للشيخ يوسف بن عمران الحلبي، يمدح قاضيًا وهي:
لِحَاظٌ دُونَهَا غُولُ العَجُوزِ
وَشَكَّتْ ضِعْفَ أَضْعَافِ العَجُوزِ
الأولى: المنية، والثانية: الإبرة.
لِحَاظُ رَشًا لَهَا أَشْرَاكُ جَفْنٍ
فَكَمْ قَنَصَتْ مِثَالِي مِنْ عَجُوزِ
الأسد

ولها معانٍ كثيرة أخرى، كـ: الذئب، الخمر، المسك، جيد التَّمر، الجوع، الركية، القرية، الآخرة، الشَّمس، الطَّريق، السماء، الأرْض، الفرس، الصومعة، العرج، النبات، المعاقبة، الرمل، ....... وجاء بها كلّها المؤلف في تابع هذه القصيدة.

خلاصة:
سواء قلَّ المشترك اللَّفظي إلى الحدّ الَّذي اعترف به منكروه، أو كثُر إلى الحدّ الَّذي كتب فيه بعضهم مصنَّفات، فالأمر واحد، وهو أنَّه موجود في اللغة، وله دَور في تحديد هذه الدلالة أو تلك.

غير أنَّ الفرق الَّذي قد يبدو بين هذا الفريق وذاك: أنَّ المثبتين له لم يبحثوا في أسباب وجودِه في اللُّغة، بل اكتفَوا بحدّ القول به وأنَّه من اللهجات القبليَّة، أو من التوسّع المجازي، وما شاكل ذلك من آراء لم يرُم أصحابها التَّفصيل فيها.

بيْنما فصَّل المقلّلون منه، أو المنكِرون له، في أسباب حدوثِه بما يدعم آراءهم ويزكِّيها، غير أنَّ المتتبّع لما ورد في اللغة من ألفاظ دالَّة على المشترك في أغْلبها، سيلاحظ أنَّها تعود إلى النقل والارتِجال وتنوُّع الاستعمال؛ لذلك لا بدَّ لضبط دلالة هذا النَّوع من الألفاظ، من القيام بدراسات تُعنى بتاريخ الكلِمات في علاقتها بمصادرها الفعلية، وتتبّع الطُّرق التي استعملتْ بها فيها، وتتبُّع دلالتها في كلّ مرحلة، ليتميَّز المنقول والمرتَجل فيها عن غيره، وهذا النَّوع من الدراسات هو ما تفتقر إليْه مكتباتُنا اليوم؛ إذ لو تتبَّعْنا كيفية استعمال الكلمات، لأمكننا الوصول إلى معناها الأصلي، ولزال كثير من الأسباب التي أوجبت الاختلاف بين العلماء في آرائهم؛ لأنَّ المشترك اللفظي أحدها، كما يقول إدريس ميموني عن ابن السِّيد البطلْيوسي في كتابه "الإنصاف في التنبيه على المعاني والأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم"، يقول: "أقول - وبالله أعتصم، وإليه أفوض جَميع أمري وأسلم -: إنَّ الخلاف عرض لأهل ملَّتنا من ثمانية أوجُه، كلّ ضرْبٍ من الخلاف متولّد منها، متفرّع عنها، الأوَّل منها: اشتراك الألفاظ والمعاني..".

المراجع:
1- محاضرات في "علم الدلالة": العلاقات الدلالية، د. خليفة بوجادي.
2- إبراهيم أنيس، في اللهجات العربية، ص 201، المطبعة الفنية الحديثة، الطبعة الثالثة، 1965م، ص: 157.
3- http://www.ulum.nl/ أ. إدريس ميموني، قضايا الدلالة في اللغة العربية بين الأصوليين واللغويين: المشترك اللفظي نموذجًا، مجلة محكمة علوم إنسانيَّة، السنة السابعة: العدد 42، صيف 2009 - 7 جولاي.
4- ابن جنّي، الخصائص، تحقيق محمد علي النجار، بيروت لبنان: دار الكتاب العربي.
5- ابن الأثير، 1995م، المثل السَّائر، تحقيق محيي الدّين عبدالحميد، بيروت، المكتبة العصرية.
6- ابن منظور، لسان العرب، دار صادر بيروت، لبنان، مادة: (ش ر ك).
7- الزبيدي، 1965م، تاج العروس، عبدالستار أحمد فراج، مطبعة حكومة الكويت، الكويت: سلسلة تصدر عن وزارة الإرشاد والأنباء، مادة: (ش ر ك).
8- زكريا بن محمد الأنصاري، 1411هـ، الحدود الأنيقة: تحقيق مازن المبارك، بيروت: دار الفكر المعاصر، الطبعة الأولى.
9- السرخسي، أصول السرخسي، تحقيق أبي الوفاء الأفغاني، بيروت، لبنان، دار المعرفة.
10- الشوكاني، 1412هـ /1992م، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحقّ من علم الأصول، تَحقيق محمد سعيد البدري، بيروت، دار الفكر.
11- صبحي الصالح، 2007، دراسات في فقه اللغة، بيروت، دار العلم للملايين.
12- موقع طريق القرآن، محمد السيد الدَّاودي.
www.55a.net موسوعة الإعجاز العلمي فى القرآن والسنَّة www.qurqn-m.com
13- توفيق محمد شاهين، 1980، المشترك اللغوي نظريَّة وتطبيقًا، القاهرة: مكتبة وهبة.
14- عبدالواحد حسن الشيخ، 1986، البلاغة وقضايا المشترك اللفظي، الإسکندريَّة: مؤسسة شباب الجامعة.
15- أحمد مختار محمد، دون سنة، علم الدلالة، القاهرة، عالم الكتب

ليست هناك تعليقات: