.

2016/02/07

عُروبية اللسان أساس لهجات الساحل الشرقي


القلافة.. صناعة السفن موجودة في اللغة الأكادية السامية
   التعليقات
الدمام ـ الساحل الشرقي
الموقع الجغرافيّ جعل من المنطقة ملتقى لحضارات وألسنة وثقافات مختلفة
وجود مفردات في لغات سامية أخرى لا ينفي عُروبيتها
بحكم وقوع الساحل الشرقي السعودي في منطقة استراتيجية عبر التاريخ؛ فإن ألسنة سُكّانها تأثّرت بعوامل كثيرة، تأتي في مقدمتها لغات الشعوب التي تواصلت مع السكان في المنطقة عبر التجارة أو الهيمنة. ومن الطبيعي أن تبقى كثيرٌ من استخدامات الشعوب الأخرى في المنطقة، وتستمرَّ وكأنّها من اللهجات المحلية، خاصةً تلك الكلمات التي لم يجد السكان لها بديلاً ملائماً من الكلمات، مثل «جمرك» التركية، أو «دلّة» الفارسية، أو «فيش» الإنجليزية.. ومئات من الكلمات التي رصدها الباحثون اللغويون واللسانيون.

لكنّ الحقيقة هي أن أهم مصادر اللسان المحلي، في الساحل الشرقي السعودي الراهن، يُمكن حصرها ـ إجمالاًـ في اللغات المهيمنة في منطقة الشرق الأوسط منذ فجر التاريخ، وهي اللغات السامية، التي تفرّعت منها اللغة العربية.

لغات سامية

اللغة السامية؛ ليس لها جسمٌ يمكن تحديده مثل تحديد جسم اللغة اللاتينية. وإنما يُستدلّ عليها من خلال بناتها الشقيقات ضمن محيط جغرافيّ يقع فيما يُسمّى اليوم بـ «الشرق الأوسط». وفي هذا المحيط عاشت أقوامٌ تتقارب لغاتهم، ويرتبطون تاريخياً، وإلى حدّ ما لديهم جامعٌ نسبيّ واحد. [الساميون ولغاتهم: 7 ـ 18].
والأدلة على اللغة السامية هو ما يجمع بين لغات هؤلاء الأقوام من مشتركات. هناك مشتركات صوتية في غالبية الحروف المستخدمة، فمخارج الحروف الأصلية تصل في اللغة العربية إلى 28، بينما تصل إلى 29 على أوسع الافتراضات، في مجمل اللغات السامية.

مشترَكات

وهناك مشتركات صرفية تميّز السامية الأم، وتتبيّن ـ بوضوح ـ في كل اللغات المتفرعة عنها، وظاهرة الاشتقاق أبرز هذه الظواهر، وبالذات الاشتقاق من مادة ثلاثية الحروف، يمكن تصريفها «كتب كاتب مكتوب كتابة، كاتَبَ، مُكاتِب مكاتَب مكاتبةً، استكتب مُستكتِب مستكتَب استكتاباً، انكتبَ منكتِب منكتَب انكتاباً.. إلخ».
واشتقاق الأسماء من الأفعال «جلس مجلِس، كتب مكتب، سكن مسكن.. إلخ».
واشتقاق الأفعال من الأسماء «أسد استأسد، نمر تنمّر، قلب تقلَّب، صدر تصدّر.. إلخ».
وكذلك ظاهرة الجملة الاسمية بلا رابط «مبتدأ وخبر: الدرسُ واضحٌ، الطريقُ وعرٌ، الشراب باردٌ». [الساميون ولغاتهم: 23].
المشترَكات العامة كثيرة بين اللغات السامية، مع وجود اختلافات في التفاصيل. على أن الساميين الأُوَل ليست لديهم «نصوص مكتوبة تشهد بالشكل العام الذي كانت عليه لغتهم».

اللغة العربية

ولأسبابٍ وعوامل مختلفة؛ أوجدت اللغة العربية لنفسها خارطة استخدام تاريخية، من حيث الكمّ والنوع والاتساع والعمق والتداول، من بين اللغات السامية جميعها. ولا يمكن مقارنة أيّة لغة سامية أخرى بها، في عالمنا المعاصر، بما فيها اللغات التي ما زالت مستخدمة، كالعبرية والأمهرية والتغرية التي يمكن وصفها بأنها لغات «أقلّيات» ثقافية لا يصل تعدادهم إلى عشرين مليون نسمة، مقابل أكثر من 300 مليون نسمة يتحدثون اللغة العربية ولهجاتها.
ناهيك عن اللغات السامية المنقرضة تماماً كالأكادية مثلاً، وشبه المنقرضة كالآرامية التي يستخدمها بعض المسيحيين شرقي المتوسط، في نطاق ديني.
وبالانتباه إلى طبيعة العلاقة ـ النسبية ـ بين اللغة العربية وشقيقاتها اللغات السامية، المنقرضة والحية، تتضح وجاهة وجود أصوات ومواد ودلالات لغوية من لغاتٍ سامية أخرى في اللغة العربية. إن اللغة الأم واحدة. ووجيهٌ، جداً، ألا تبتعد كلمة «سلام» في العربية كثيراً عن كلمة «شالوم» في العبرية، و«موسى» عن «موشيه»، و«بنيامين» عن «بنجامين» و«إبراهيم» عن «إبراهام»، مع ملاحظة الفرز الصوتي عن الدلالي، والدينيّ عن اللساني. وأيضاً؛ مع الانتباه إلى اللغة الآرامية، وما تفرّع منها.
ولهذا لا يمكن قبول استنتاج حسين الجمري حين رجّح أن يكون أصل كلمة «قلافة» أكاديّاً، بناءً على وجود جذر الكلمة في اللغة الأكادية. الكلمة مصطلح لصناعة السفن التقليدية في منطقة الخليج.
ووجودها في اللغة الأكادية لا يُثبتُ أنها أكادية خالصة، فالكلمة موجودة، تاريخياً، في العربية أيضاً. وثمة ثلاثة معاجم عربية، على الأقل، شرحتها «قلَفَ السفينة: خرز أَلواحها بالليف وجعل في خَلَلِها القار» [لسان العرب: قلف]، و»قَلَفْتُ السفينةَ، إذا خَرَزت ألواحَها بالليف وجعلت في خَلَلِها القار» [الصحاح في اللغة: قلف]، والصيغة الأخيرة نفسها موجودة في [العباب الزاخر: قلف]، وفيها إيضاحٌ أكثر قال فيه المؤلف «والاسم القلافة».
ومعروفٌ في القواعد الصرفية العربية أن مصدر الفعل الثلاثي الدال على مهنة يأتي على وزن «فِعالة»، مثل: نجارة، حدادة، زراعة.. إلخ.
على أن ثمة قرينة أخرى تشير إلى عروبية الكلمة هي سكوت اللغويين عن نسب الكلمة إلى لغة أخرى، كعادتهم حين يتوقفون عند مادةٍ من لغة العجم أو الفرس أو أهل السواد وغيرهم.
وحسماً للأمر؛ يمكن الاطمئنان إلى اشتراك كلمة «قلافة» في العربية والأكادية، بوصف اللغتين منحدرتين من لغة أمّ؛ هي اللغة السامية. كما يمكن الاطمئنان إلى قياس ذلك على المفردات، التي وفّرتها الاكتشافات الأثرية غير العربية، ووفرتها ـأيضاًـ المعاجم ـ أو النصوص ـ العربية.
أي إثبات اشتراك لغتين شقيقتين في مادّة أو مجموعة موادّ لغوية، ما لم تؤكد أدلة غير ذلك. وبالذات المواد التي جاء بها الباحث الجمري واعتمد فيها على معجم شيكاغو وعلى مصادر عربية تؤكد الدلالات نفسها. فكلّ ما ساقه في بحثه المعنون بـ «الامتداد الآرامي الأكدي لألفاظ ثقافة النخلة» [صحيفة الوسط البحرينية: العدد 3591 - السبت 7 يوليو 2012] ينطبق عليه هذا الفهم.
والذي أظنّه، مطمئنّاً، أن الأستاذ الجمري قد ذهب بعيداً في مبالغته، حين قرّر وجود امتداد أكادي أو آرامي في اللهجة البحرانية، مع إقراره الواضح بوجود المفردات التي تناولها في معاجم عربية..!

سلة

وجود اسم «الزبيل» في لغة سامية أخرى لا يعني أنه غير عربي
وجود اسم «الزبيل» في لغة سامية أخرى لا يعني أنه غير عربي
صحيح؛ إنه ربما فاجأنا بأن كلمة «سلة» ليست موجودة في معاجم اللغة العربية، واستنتج أنها كلمة أكادية الأصل وأن نطقها هو Sellu, Sillu or Sallu طبقاً لمصدره «المعجم الأكادي». إلا أن هذه المفاجأة الجديرة بالإعجاب لا يجوز لها أن تشوّش الرؤية بسحب كلّ ما ورد في معجم شيكاغو أو المعجم الأكادي وبعض معاجم اللغة العربية يعني وجود امتداد لغوي، على نحو قاطع.
راكوب كلمة أكادية أيضاً وعامية تُسمى «كاروب»
راكوب كلمة أكادية أيضاً وعامية تُسمى «كاروب»
لقد قرّر الرجل أن «قروف، قفة، قفير، زبيل، فسيلة، راكوب، مشخال» من أدلة الامتداد الأكادي أو الآرامي (أو كليهما) في اللهجة البحرانية الزراعية. وفي الوقت نفسه؛ لم يرجّح «الاشتراك» بل رجّح «الأصل»، حتى مع استشهاداته ببعض معاجم اللغة العربية..!
أظنّه تعصّباً إلى لغاتٍ سامية أخرى للاستدلال على التأثير الحضاريّ، وراهن على ذلك دون الانتباه إلى «الاشتراك». حتى إنه حين تناول «مشخال» قال عنه «اللفظة واردة في كتب اللغة العربية وهي في الأكدية مَشخَلُ»، ثم قال «ويرجح أن أصلها أكدي»، وعُمدة ترجيحه هو أن «تصريف اللفظة في الأكدي شبيه لتصريفه في العامة».

تبرير غريب

وهذا التبرير غريبٌ جداً، جداً جداً، لأسباب وجيهة في نظرنا:
الأول: إن مادة «شخل» بمعناها المتداول خليجياً موجودة في معجمين عربيين على الأقل «لسان العرب» و«القاموس المحيط».
الثاني: إن المعجمين أوردا كلمتيْ «مِشخلة» و«مِشخل» بمعنى «المصفاة». وواضحٌ أن الكلمتين تحملان وزنين اثنين من أوزان اسم الآلة.
الثالث: وجود كلمة «مِشْخل» على وزن «مِفعل» له مثيل في اللغة الأكادية. وهذا دليل على «الاشتراك» لا على «الأصل».
الرابع: في علم الصرف العربي أوزان كثيرة لأسماء الآلة، من بينها «مِفعال» ومثاله «مفتاح»، وهذا يعني ـ ببساطة ـ أن سكان الخليج استخدموا وزناً صرفياً موجوداً في اللغة العربية عموماً.
وما يعزّز فرضية «الاشتراك» لا «الأصل»؛ هو وجود مشتركات بين اللغات السامية جميعها، كما ذكرنا آنفاً. وخلاصة هذا الخضّ؛ هو كلمة «مشخال»، مثلها مثل كثير من الكلمات، تُوضع في قائمة «المشتركات» اللغوية، مادةً ودلالة، بين اللغة العربية وغيرها من الشقيقات الساميات. ولا يمكن «ترجيح» أصلها إلا إلى السامية الأم.

لهجات القبائل

من المهم الانتباه إلى أن لهجات أبناء القبائل القاطنين في الشطر الشرقيّ من المملكة هي من اللهجات الأقلّ تأثراً باللغات الأخرى، ذلك أن نمط حياتهم الصحراوي عزلهم عن الاحتكاك المؤثر بغيرهم من الأقوام. لكنّ الوضع تغيّر، كثيراً، بعد النفط، وبعد مشروع توطين البادية الذي وضعه الملك عبدالعزيز، رحمه الله، منذ بدايات بناء الدولة السعودية.
ذهب أبناء القبائل إلى المدن ليعيشوا فيها، كما انخرطوا في الوظائف الإدارية والصناعية ومارسوا التجارة، وكلّ هذه الأوساط مناخٌ خصب وغنيٍّ باللغات واللهجات الأخرى التي تؤثّر في الناس. وعلى الرغم من ذلك؛ فإن تأثّر أبناء القبائل يبقى بطيئاً قياساً بأبناءِ المدن والريف والسواحل.

عربٌ مُستَنبِطون

ينسب مؤرخون ولغويون إلى أيوب ابن القرية قوله إن «أهل البحرين نبيطٌ استعربوا». (وفيات الأعيان، لسان العرب). وفي هذا القول مفاتيح جدل متداخلة في مبدأ عروبة الأنباط التي يراها مؤرخون وباحثون، وفي مقدمتهم الدكتور جواد علي في «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام»، فهو يدافع بشراسة عن عروبة الأنباط إجمالاً، وعن عروبة أنباط شرق الجزيرة على وجه خاص، وينافح عنهم، مشيراً إلى النظرة العربية لنمط حياة الأنباط القائم على التجارة والزراعة، وهو نمطٌ فيه مهنٌ لا تليق بالعرب أبناء الصحراء.
80512232
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٤٠٥) صفحة (٩) بتاريخ (٠٩-١٠-٢٠١٥)

ليست هناك تعليقات: