.

2016/02/21

اللغة لهجة لديها جيش وأسطول

ديفيد بيلنج
الاحتجاجات في الصين تتخذ أشكالاً مختلفة، لكنه رهان سليم لدرجة معقولة القول إن أحد الاحتجاجات أشعلته إزالة لوحة منقوش عليها بلغة الكانتونيز (اللغة الكانتونية)، من على قاعدة تمثال لجنرال ينتمي إلى سلالة مينغ.
تم هدم الشيء المسيء ــ وهو عبارة عن اقتباس بلغة الكانتونيز عن الجنرال يحث فيه أتباعه على القتال ــ في تموز (يوليو) في إطار جهود لتجميل مدينة جوانجزهو الجنوبية قبل
أن تستضيف دورة الألعاب الآسيوية في تشرين الثاني (نوفمبر). وترافقت تلك الإهانة للغة الكانتونيز، وهي لغة بدائية ينطق بها نحو 70 مليون شخص، مع اقتراح يدعو إلى وقف بث البرامج بلغة الكانتونيز في أوقات ذروة مشاهدة فعاليات الدورة. ويقضي الاقتراح بأن تتحول القنوات الرئيسية إلى استخدام البوتونجوا وتعني حرفياً ''اللغة الفصحى'' التي يشار إليها بشكل أعم بلغة المندرين.
إعلان
انتشر الغضب على أثر ذلك بين مستخدمي الإنترنت الناطقة بلغة الكانتونيز. وبعدئذ، في نهاية تموز (يوليو)، تجمع نحو ألف من الشباب في إحدى محطات المترو بمدينة جوانجزهو للتعبير عن مخاوفهم من تهميش لغتهم الأم. وقام بعضهم بتوجيه إهانة لشرطة مكافحة الشغب، بالدعوة إلى الحرب من بالكلمات نفسها المنقوشة على اللوحة باللغة العامية. وتم إلقاء القبض على نحو 20 شخصاً بسبب القلاقل التي أثاروها.تقول تشوي سوك- فونغ، التي نظمت تجمعاً حاشداً للتعبير عن التعاطف في هونج كونج المجاورة، وهي دولة مؤلفة من مدينة تستخدم فيها لغة الكانتونيز على نطاق واسع، إنها لم تفكر كثيراً بلغة الكانتونيز من قبل. أما الآن فهي تفكر بطريقة مختلفة ''اللغة هي الطريقة التي تعبر بها عن نفسك وحضارتك. كنت أعتقد أن الكانتونيز لهجة من اللهجات. لكنني أدرك أنني إذا تحدثت بلغة الكانتونيز، فلن يفهم أبناء الشمال أي شيء مما أقوله''.
يقول أُمبيرتو أنسالدو، وهو خبير لغوي في جامعة هونج كونج، إن اللغة يمكن أن تصبح بسرعة بؤرة للمقاومة السياسية. وتاريخ كثير من البلدان - بما فيها بلده إيطاليا التي جاءت لغة التوسكان لتهيمن فيها - حافل بالأمثلة الدالة على سيطرة إحدى اللغات، أو اللهجات على غيرها. ويعبر اللغويون عن هذا الوضع بالقول: ''اللغة هي لهجة لديها جيش وأسطول''.
وفي الصين تهيمن لغة المندرين التي يتحدث بها الشمال. وفي ثلاثينيات القرن الماضي قام الوطنيون من أتباع تشيانغ كاي - تشيك بحرق المطبوعات التي تصدر في الأقاليم. ومنذ عهد قريب أصبحت المناطق الصناعية مواقع جذب للمهاجرين الذين يتحدثون بلغة المندرين بصورة رئيسية. وتم استقطاب الأجيال الشابة إلى دائرة اللغة المسيطرة التي تدرس في المدارس وأصبحت الطريق إلى النجاح. وتعامل اللغات الصينية الأخرى باعتبارها مجرد لهجات. ففي مدينة جوانجزهو وجد أحد المراسلين الصحافيين أعلاماً مدرسية تحمل شعاراً يقول: ''اكتبوا باللغة الصينية الفصحى. استخدموا لغة متحضرة - كن شخصاً متحضراً''.
ويقول اللغويون الغربيون إنه يوجد في الحقيقة ما لا يقل عن ثماني لغات صينية تختلف عن بعضها بعضا كما تختلف الإنجليزية عن البرتغالية أو الفرنسية. لكن هذا التفسير، يقول ستيفن ماثيوز، أستاذ اللغويات في جامعة هونج كونج، مرفوض في الصين التي يتم التأكيد فيها على وحدة اللغة الصينية، رغم أن هناك كثيرا من اللهجات التي لا يفهمها إلا المتحدثون بها.
ويشير العلماء الصينيون إلى حقيقة أن جميع الصينيين يستخدمون نسخة من الحروف التصويرية. وهكذا، فإن الشخص الذي يتحدث لغة المندرين ولا يستطيع فهم كلمة من لغة شنغهاي المنطوقة ربما يكون مع ذلك قادراً على قراءة صحيفة صادرة بلغة شنغهاي. ويرفض معظم اللغويين الغربيين هذا الطرح لأنه يمكن كتابة أية لغة تقريباً بالحروف الصينية تماماً كما يمكن كتابة اللغات الأوروبية المختلفة بالحروف الرومانية.
هذا النقاش يتجاوز نطاق الوسط الأكاديمي كما تدلل على ذلك الاحتجاجات والمظاهرات التي جرت أخيرا في شوارع مدينة جوانجزهو. إن مسيرة لغة المندرين ليست جزءاً لا بد منه في عملية بناء البلد، رغم أن كثيرا من الصينيين سيقولون – وربما كانوا مصيبين - إنها رمز قوي لوحدة الصين وقوتها.
ورغم ذلك، فإن بلداناً أخرى اتبعت أساليب مختلفة. فقد حاول زعماء الهند بعد الاستقلال في البداية فرض اللغة الهندية Hindi في سائر أنحاء البلد، لكنهم سرعان ما تراجعوا تحت تهديد انفصال بعض الولايات، كولاية تاميل نادو. وانتهى بهم الأمر إلى السماح للغة الإنجليزية (رغم أنها لغة المستعمر وغير ذلك) بلعب دور تجسيري مهم، وأفسحوا المجال للولايات لاستخدام اللغات الإقليمية في الغرف الدراسية وفي أماكن العمل. ويثني أنسالدو على الهند كمثال على ''التجربة الشجاعة'' في التسامح اللغوي.
ليس معنى هذا توجيه انتقاد في غير محله لبكين بسبب الحث والتشجيع على استخدام لغة المندرين، ولا يعني القول إن مسألة اللغة في الصين موضوع قابل للانفجار كما كان في الهند، لكن هناك بدايات لما ينبغي أن يعتبر في غياب الارتياب الرسمي اعتزازاً صحياً بالاختلافات الثقافية واللغوية الإقليمية. وفي واقع الأمر، بكين تبذل مزيداً من الجهود للاعتراف بالاختلافات الإقليمية - أو على الأقل التباينات الإقليمية - وذلك، مثلا، بتوجيه مزيد من الأموال إلى المناطق الداخلية والغربية المهملة نسبياً. وفي المناسبات الرسمية هناك اعتراف أيضاً بالتنوع العرقي في الصين، رغم أن هناك مؤشراً ضئيلاً على أن ذلك يتجاوز نطاق المظاهر السطحية.
على أن الأنشطة الإقليمية ليست على أي حال موجهة ضد اللغة الصينية. ذلك أن كثيراً من الناطقين بلغة الكانتونيز يمجدون ما يعتبرونه محافظة من جانبهم على اللغة الصينية القديمة. وإذا قرأت الشعر الذي تم تأليفه في عهد أسرة تانغ بلغة الكانتونيز بصوت عال، ستجد أنه مقفى. لكنه ليس كذلك بلغة المندرين.
تقول فرجينيا ييب، الأستاذة في جامعة هونج كونج الصينية: ''يقول بعض الناس إن لغة الكانتونيز تعتبر أثراً عامياً من اللغة الصينية القديمة، لكنها عكس ذلك تماماً. الشعر الذي تم تأليفه في عهد أسرة تانج هو جوهرة حضارتنا''. إن لغة الكانتونيز، كما كان يتحدث بها سون يات - سين، الأب المؤسس للجمهورية الصينية، هي اللغة الصينية بحذافيرها كما لغة المندرين. وهذا لا يعني القول إنها لا تختلف عنها.

ليست هناك تعليقات: