.

2016/02/28

اللغة العربية .. ما الذي يحول دونها والتحليق فوق القمم؟

د.محمد ابراهيم الشوش
مؤلم جدا أن تستمع للبعض يحدثك حديث الواثق من أن اللغة العربية تتلاشى وأنهما في طور الاندثار وأنها لا تتجدد ولا تواكب العصر، ما يطرح اسئلة كبرى مهمة على مجامع اللغة العربية ومدى قدرتها على استيعاب الجديد والعصري وهضمها المنتجات الجديدة لتصبح كيانا حيويا قادرا وقابلا للحياة.

اللغة ــ أي لغة ــ ليست مجرد أصوات ورموز قاموسية جامدة ذات دلالة معينة يكفي لفهمها واستيعابها تجويد كتابة الحروف ونطقها وحفظ معانيها، ولكنها كائن حي مرتبط بثقافة تكونت عبر حقب سحيقة منحته طبيعته ومميزاته، ولا يمكن دراسة اللغة دراسة جادة بمعزل عن نشأتها وأصولها وخلفياتها التاريخية ومنابعها الثقافية. ولعل من أخطر ما ابتليت به اللغة العربية خارج بيئتها، أن تصدى لتدريسها ووضع النظريات عنها أناس بعيدون عن أصولها اللغوية وتراثها الفكري والثقافي ونتاجها الأدبي الثر الذي يمتد بلا توقف عبر عدد من القرون يجعلها بلا مثيل بين اللغات الحية اليوم.
وبسبب عزلها عن محيطها الحضاري والفكري أصبح التعريف بها وتدريسها قاصراً يكرّس عدداً من المفاهيم الخاطئة. وعليه فإن أي جهد لتطويرها وانتشارها وربما لحفظها من الاندثار، يجب أن يسبق تدريسها أو يواكبه، تعريف واف بأصولها وخصائصها وطبيعتها المميزة، ومكوناتها الثقافية، وإسهاماتها الجبارة في تكوين الحضارة الكونية الحديثة.
اللغة بين نقيضين
هناك مشكلات عدة تعترض تطوير اللغة العربية ونشرها، لا بد من الإحاطة بها قبل الشروع في تطويرها وإنقاذها، لتحتل مكانها في قمة لغات العالم. أبرز هذه المشكلات أن تدريس اللغة العربية لغير الناطقين بها يقع بين نمطين متناقضين:
نمط تقليدي منعزل عن التيارات الثقافية العصرية، ونمط عصري منبت الصلة بينابيع اللغة.
فقد بدأت دراسة اللغة العربية وتطورت في العالم العربي والإسلامي بدءاً بالخلاوي أو الكتاكتيب وانتهاء بالجامعات الإسلامية العريقة كالأزهر على أيدي نفر من المعلمين من نتاج المدرسة التقليدية التي أرست قواعدها قبل ظهور النهضة العلمية الحديثة، وقد كان تدريس اللغة والعلوم الدينية هو المحور الرئيسي والأساسي للمناهج. وقد أضرَّ هذا التركيز باللغة العربية إذ أصبحت في غياب العلوم الأخرى والتفرغ الكامل لها، المادة الخام للتشكيل والتقصي والتعقيد والطلسمة، وأصبحت المهارة في افتعال الافتراضات الغريبة العويصة والاستشهادات الوحشية وفك ألغازها رمزاً للتفوق، وتبارى علماء اللغة العربية في افتعال الغريب وانشغلوا بمشكلات ''حتى'' ''و لا سيما'' ومساجلات الكسائي وسيبويه واختلاف مدرستي البصرة والكوفة في كل حرف وكلمة وجملة، وتفرعت هذه التراكمات الهامشية إلى أبواب وانقسمت الأبواب إلى فصول. وجاء من يقولبها في نظم ركيك. وأنبرى لـ ''الأجرومية'' ''والألفية'' من يضع الهوامش ومن يفسر الهوامش بهوامش.وبالرغم من اختلاف الزمان والبيئة ظلت الأمثلة من عصور سالفة وإلى وقت قريب كما هي ، وظل عمرو يضرب زيداً بلا سبب. ولم يؤد التطوير العلمي في تعليم اللغات الذي بلغ شأواً بعيداً في الغرب إلى تغيير واضح في أسلوب تعليم اللغة العربية في المشرق العربي. إذ ظل معلموها في دور العلم التقليدية بمعزل تام عن هذا التطور العلمي.وقد ركَّز المستعمرون في مدارسهم الحديثة هذه العزلة إذ احتفظ معلمو اللغة العربية بزي تقليدي غريب أشبه بلبس الدراويش، وشخصيات ألف ليلة وليلة ومقامات بديع الزمان والحريري، لا هو غربي ولا هو مما يلبسه الناس عادة في مناطقهم، كأنَّما أريد بهذا الزي أن يؤكد عدم انتمائهم للعالم الذي يعيشون فيه، كما يتميز وضعهم المتدني في سلم الترقيات وفي نظر طلاَّبهم. ولما اتسعت الحاجة إلى تعلم لغة الشعوب المستعمرة وشرعت الدول الغربية في إدخال اللغة العربية في بعض مؤسساتها التعليمية، وإنشاء المدارس الخاصة لتعليم العربية كلغة أجنبية للدبلوماسيين ورجال المخابرات في بيروت وغيرها، لم يكن معلمو العربية التقليديون بحكم جهلهم باللغات الأجنبية، وبحكم تدريبهم مؤهلين للقيام بهذا الدور، فكان الاتجاه بطبيعة الحال لأبناء البلاد العربية الذين يتحدثون اللغة الأجنبية وإن لم يكونوا من ذوي التخصص في اللغة العربية، وتولى مهمة التدريس بعدهم طلبتهم من غير الناطقين بالعربية.
وهكذا تقاسم تدريس اللغة العربية فئتان متعارضتان تماماً: فئة اقتصر تعليمها على اللغة العربية وتجهل الأساليب العصرية لتعليم اللغة، وفئة مدركة لكل الأساليب العلمية والتقنية العصرية لتعليم اللغة ولكنها تجهل الكثير عن طبيعة اللغة العربية وأسرارها وخباياها.وكانت حصيلة ذلك جملة من المفاهيم الخاطئة والمربكة للناطقين وغير الناطقين بها.
اللغات المحلية
أول هذه المفاهيم الخاطئة التي كانت تمثل التفكير السائد في الغرب، أنَّ اللغة العربية ليست لغة واحدة، وأنَّما هي عدة لغات متمايزة، وأنَّ لكل إقليم لغته في المخاطبة والكتابة، فهناك العربية المصرية والعربية المغربية والعربية اللبنانية والعربية السعودية .. إلخ وأنَّ الدارس لإحدى هذه اللغات حتى وإن جهد وأجادها، لا يستطيع أن يتفاهم بها في إقليم آخر. وقد ساد هذا الفهم الخاطئ في أمريكا الشمالية بوجه خاص فنشطت دراسة هذه ''اللغات'' المحلية، فأصبحت هناك برامج تخص كل واحدة منها حشدت لها كل التقنيات والوسائل السمعية والبصرية، وجلب لها من يتحدثونها كنماذج حية .. وقد أدَّى هذا الفهم إلى تثبيط عزائم عدد كبير من الراغبين في تعلم اللغة العربية، إذ قدّروا أن إلمامهم بكل هذه اللغات العربية هو أمر في عداد المستحيل، فانصرفوا عنها إلاَّ من ارتبطت أعمالهم الرسمية أو التجارية بمنطقة عربية محددة.
ولقد تولَّد هذا الزعم من قراءة خاطئة لتاريخ تطور المجتمعات، إذ اعتبروا مرحلة مؤقتة سمة دائمة للغة العربية، أو ربَّما نتج ذلك عن خطة مبيتة لتكريس التفرقة اللغوية بين المجتمعات العربية. فاللغة تظل أكبر عامل من عوامل التوحيد في المجتمعات.
وحقيقة الأمر أنَّ العالم العربي مر بفترة ركود حضاري وثقافي أدى إلى عزلة مجتمعاته في أقاليمها المختلفة، وكان من نتاج هذه العزلة أن تكونت في كل من هذه المجتمعات لهجة متميزة .. لكن التطور المحتوم الذي أعقب خروج الاستعمار في مجال التعليم والنشر والإعلام والصحافة أدى إلى خلق جسور التواصل بين هذه المجتمعات مما أوجد أشكالاً من التعبير متقاربة أصبحت هي لغة التعليم والنشر السائدة في كل المجتمعات العربية. وكل القنوات التعليمية والثقافية من صحافة وإذاعة وأدب ونشر تتحدث الآن بلغة عربية مشتركة لا تختلف من بلد لآخر. وبقيت كما هو الحال في كل مجتمعات العالم لهجات محلية وبخاصة في مجال المخاطبة بذات الفوارق بينها تزول تدريجياً بتطور التعليم في البلدان العربية. وبرغم أنَّ البعض في الغرب لا يزال يكرر مقولة اختلاف اللغات العربية عن جهل أو سوء نية، إلا أن الحقيقة قد فرضت نفسها، وتلاشى الاهتمام باللهجات المحلية، وأصبحت لغة التدريس السائدة في الغرب اليوم هي اللغة العربية الأدبية Litrary Arabic أو اللغة العربية المشتركة Modern standard Arabic. ومع ذلك لا يزال هاجس وجود لغات عربية متعددة يقلق بال كثير من الراغبين في تعلم اللغة العربية، ويحتاج الأمر إلى توضيح للحقائق بصورة جازمة تزيل الشك لدى طالب اللغة العربية، وقد يستلزم ذلك جهداً إضافياً من المعلم لتوضيح الفروق الطفيفة بين اللغة المشتركة وبعض اللهجات المحلية.
صعوبة اللغة العربية
من بين المفاهيم الخاطئة التي التصقت باللغة العربية بين غير الناطقين بها، أنها لغة صعبة، يصعب فمهما واستيعابها ويستحيل التعمق فيها لغير أهلها، وأنّ بعض أصواتها يستحيل نطقه إلاّ لمن أوتي تركيباً فيزيولوجياً خاصاً. والصعوبة ليست في اللغة العربية وإنّما في أسلوب تدريسها بين فئتين إحداهما تخرج بها ــ كما أوضحنا ــ إلى ألغاز لا ضرورة لها، والثانية تحشرها في قوالب لم تصنع لها. والقول بصعوبة اللغة العربية لغير الناطقين بها اكتسب شرعيته بقبول العرب أنفسهم له، وهو قول يخالف الحقيقة تماماً. فاللغة العربية تتميز عن لغات العالم أجمع، بانَّها تقوم على بناء عضوي متكامل وإذا تعرّف المتعلم على القواعد والأسس التي يقوم عليها هذا البناء، سهل عليه فمهما واستيعابها. فبينما تقوم كل اللغات الحديثة الكبرى كالإنجليزية والإسبانية والفرنسية على خليط غير متجانس من ألفاظ التقطت من مصادر عدة، بعضها إرث تاريخي من اللاتينية أو السانسكريتية مثلاً وبعضها مصادفة من لغات ولهجات لأقوام عدة تم الاتصال بهم عبر التاريخ، فإنَّ اللغة العربية كغيرها من اللغات السامية تقوم على أصل ثلاثي تتفرع عنه أغلبية مفرداتها وفق نظام دقيق تقل فيه الاستثناءات، كإضافة المد بعد الحرف الأول للفاعل مثل: (كاتب، دارس) والميم والواو للمفعول به: مثل (مكتوب، مدروس)، والميم المفتوحة للمكان مثل: (مَكتب، مَصنع) والميم المكسورة للآلة مثل (مِقص، ومِلعقة) .. إلخ. وحتى في حالة وجود بعض الخواص اللغوية كالتذكير والتأنيث فإنها لا تخضع لتوصيف اعتباطي أو لغير سبب كما في اللغة الفرنسية مثلاً، بل يخضع لصور معينة مثل إضافة تاء التأنيث لتوضيح المؤنث مثل: (كاتبة، مكتبة) أو تأنيث أعضاء الجسم المزدوجة مثل: (عين، أذن، رجل، قدم) واعتبار عضو الجسم المنفرد مذكراً مثل (رأس، أنف)، وكذلك خضوع ما يسمى بالحروف القمرية والحروف الشمسية لقاعدة لغوية تفرضها ضرورة إدغام الحرف في اللام إذا كان يتشابه معه في النطق، وكذلك الحال بالنسبة لجمع التكسير وجمع المؤنث وجمع المذكر وكلها تخضع لقوانين معينة. وإذا أمعنا النظر في جميع استعمالات اللغة العربية لوجدناها تخضع لقانون يرجع إلى مرحلة من مراحل تطور اللغة في وقت ما. وإدراك معلمي اللغة العربية هذه القواعد يوفر على طلابها مشاق حفظ ظواهر اللغة كجزئيات منفصلة لا تربطها قاعدة. وفي حفظ القاعدة تجميع لكل ظواهرها.
الأصوات
تنسحب صفة الصعوبة المفتعلة والناتجة عن جهل باللغة العربية على نطق حروف الهجاء، والذي يقرأ كتب تدريس اللغة العربية التي ألفها الدخلاء على اللغة العربية، والتي تحاول في سذاجة بالغة تعليم الطالب الأجنبي نطق الحروف، يتوهم أنَّ العرب الذين يتحدثون بها لا بد أن يكونوا غير طينة البشر، أو أنَّ لهم حناجر وألسنة وشفاه لا تشبه غيرهم من البشر، وأن الذي يريد أن يجاريهم في نطق حروفهم عليه أن يمارس بفمه حركات غريبة، فالحلق يقرقر، واللسان يجول في الفم كثعبان في شراك، تارة يلتصق بسقف الفم، وتارة يستدير داخله، وتارة يتحسس الأسنان العليا أو السفلى إلى غير ذلك من البهلوانيات. بينما حروف العربية وأصواتها ــ إذا استثنينا الحاء والعين والقاف وهي لا تشكل صعوبة كما سنوضح ــ حروف أساسية عادية موجودة في اللغات الأوروبية. وكل ما يقال عن تميزَّ بعض الأصوات في العربية وحدها كالطاء والضاد والصاد هو محض خرافة لا أساس لها من الصحة. فالضاد التي يقولون أنَّها تميز اللغة العربية مما جعلهم يسمونها (لغة الضاد) يدحضه وجود كلمات في الإنجليزية مثل Dull (ممل) وDuck (بطة) و Dum (أبكم، غبي) وكذلك الحال بالنسبة للطاء في كلمات مثل Cut (قطع) و But (لكن) وShut (مغلق)، والصاد في مثلٍ Sun (شمس) وSon (ابن) وsome (بعض). ولهذا فإن المعاناة الوهمية التي يفتعلها معلمو اللغة العربية في نطق هذه الحروف المعروفة في اللغة الإنجليزية، أمر يدعو إلى الدهشة، بل إنَّ اللغة العربية تبسط الأمر على دارسيها، بأن جعلت لكل من الأصوات المتشابهة حرفاً يميزها، بينما الإنجليزية مثلاً تجعل الحرف الواحد يمثل صوتين متشابهين أو أكثر. فالحرف (S) مثلاً يمكن أن ينطق (سين) كما في Sin أو صاد كما في Sun وكذلك الحرف (D) يمكن أن ينطق (دال) كما في DO أو (ضاد) كما في Dog والحرف (T) يمكن أن ينطق (تاء) كما في (Tim) أو (طاء) كما في Tall، بل إن ذلك قد يتعدى الأصوات المتشابهة إلى أصوات لا صلة بينها، دون أية إشاره تدل الطالب على النطق الصحيح، فالحرف (C) قد ينطق (سين) كما في CELL أو كاف كما في CALL. وحتى الحروف المستثناة أعلاه كالعين والحاء والقاف، تجاوزها الاستعمال اليومي للعرب أنفسهم، فلم يعد أحد ينطقها في عالم اليوم على صورتها الأصلية القديمة وكلها تنطق اليوم مخففة تماماً كما ينطق بها غير العرب. ولهذا فإنَّ المحاولات العقيمة التي يقوم بها بعض التقليديين لإرغام طلابهم على نطق هذه الحروف كما نطق بها القدماء، محاولات عديمة الجدوى، إلى جانب أنها تنفَّر الطالب من غير الناطقين بها، وتصرفه عما هو أجدى في تعلمها. وحتى لو استطاع الدارس أن يجيد نطق هذه الحروف كما يجب أن تنطق، وأراد أن يطبقّ ذلك في أي بلد عربي لقوبل بالهزء والسخرية.

ليست هناك تعليقات: