.

2016/03/12

أفكار كويتية... للنهوض بالعربية

أ. خليل علي حيدر

هل يحب أساتذة اللغة العربية المادة التي يقومون بتدريسها؟ ألا يجد الطالب الجامعي نفسه في العالم العربي وقد دخل «نفقاً أكاديمياً» أو سلكاً مهنياً دون إرادته، إرضاءً لضغوط الأسرة، أو بحكم التقييم الأكاديمي والاختبارات أو لأي حافز آخر؟ غير أن أستاذ اللغة العربية الذي لا يحب تخصصه ولا يخلص لمهنته يسيء إلى «مراجعين» و«زبائن» لا يمتلكون هوامش واسعة للمناورة، وقد لا يدركون إلا في وقت لاحق بعيد، حجم الأضرار التي نزلت بأداتهم اللغوية.


«أنا أضع المسؤولية كاملة على عاتق كلية التربية الأساسية، تحديداً قسم اللغة العربية»، يقول الدكتور جميل المري أستاذ علم الاجتماع في هذه الكلية في الكويت، فهذه الكلية، يضيف المري، «يفترض أن يتم تدريس الطالبات فيها ليتخرجن مدرسات للغة العربية، إلا أنني فوجئت في إحدى زياراتي للكلية برغبة معظم الطالبات في ترك قسم اللغة العربية لصعوبتها وجفافها، ما يجعلني أؤكد حاجة منهج اللغة العربية إلى تسهيل وتبسيط».

ولكن الدكتور المري لا يقف هنا عند أبعاد ونتائج ما يطالب به، بل القضية بحاجة ماسة إلى دور لغوي إبداعي، تقوم به مجامع اللغة العربية، فتدرس المشكلة وتقارن تجارب مختلف البلدان العربية ومشاكل الطلبة مع قواعد النحو، ثم تتخذ ما تراه من قرارات، فمن يقوم بكل هذا، ومن يجرؤ عليه؟

الدكتور المري أشار في حديثه لصحيفة «الوطن» الكويتية إلى «مجمع اللغة العربية» في مصر، وطالب بإنشاء أفرع له في جميع الدول العربية، ومنحها «وجوداً إعلامياً بارزاً على شاشات التلفزيون».

نحن بحاجة إلى مجمع لغوي عصري شاب نشط، وإلى وضع قواميس حديثة وكتب تعليمية شائقة مشابهة لكتب مناهج تعليم اللغات الأوروبية وأساليب بناء المهارات اللغوية في المدارس الأجنبية.

ويقول الدكتور المري: «حبي للغة العربية كان نابعاً من حبي لمدرس المادة الذي كان دمث الخلق، يحدثنا بكياسة وبلطف وثقة الوالد الناصح المعلم وبطريقة طبيعية غير مفتعلة، وهو ما نحتاجه لترغيب وتحبيب أبنائنا بلغتهم الأم».

وتقول المحررة بالصحيفة نفسها شيرين صبري: «إن معظم أصحاب الأعمال من العرب في الدول الأوروبية يجدون أن أعمالهم لا تُنجز إلا إذا تحدثوا بالإنجليزية، ما قد يكون سبباً لفقدانهم الإحساس بقيمة لغتهم العربية، ويؤكدون حاجتنا إلى تنمية روح الاعتزاز والثقة في لغتنا».

ولا مهرب من التأكيد أن الإنجليزية غدت اللغة العالمية الأولى، غير أن الأميركيين والإنجليز والفرنسيين والألمان والإسبان... لا يعانون من مشكلة «اللهجات العامية، فاللغات الأوروبية كلها محكية ومستخدمة في الحياة اليومية بشكل طبيعي. لكننا لا نجد في العالم العربي واقعاً لغوياً كهذا، إذ لا نجد الناس يتحدثون العربية الفصحى، وحتى داخل أقسام اللغة العربية وآدابها في أي جامعة عربية، سنجد أن الأساتذة والطلاب يتفاهمون بـ«لهجة عربية» قد لا نفهمها.

إن اللهجات العربية والكلمات العامية واقع بارز في حياتنا اللغوية ومفاهيمنا الثقافية، والكثير منها قد يثري الفصحى. ولابد أن ننزل من عليائنا الثقافية، ونتصالح مع اللهجات المختلفة، ونستخدم الكثير من كلماتها في التعبير، وبخاصة أغلبها من الفصيح المهجور أو مما استخدمته قبائل العرب في مرحلة ما أو غير ذلك. فالكثير منا يستخدم كلمة «شاف» بمعنى رأى، وهي في القاموس بمعنى أشرف ونظر. ونستخدم كلمة «انخش»، بمعنى اختبأ أو دخل، وفي القاموس معناها دخل في القوم. وفي اللهجة الكويتية كلمات قاموسية كثيرة لا تستخدم في الكتب والصحف وأدبيات الإعلام، ومنها «طمر» بمعنى وثب، وكذلك «نقز»، ومنها «نقز الظبي» و«نقز الطير» بمعنى قفز.

ونعود إلى آراء الأكاديميين الكويتيين في واقع اللغة العربية، فنرى الدكتور عبدالعزيز سفر يشتكي من وجود «أخطاء كثيرة تتعلق بالتراكيب والصياغات اللغوية والمفردات، بالإضافة إلى دخول بعض التعبيرات الجديدة التي تحمل ألفاظاً ينبغي ألا تقال، لكنها تقال، وكل هذه أمور تمس اللغة العربية في الصميم وتمثل خطورة عليها». ويضيف: «إننا اليوم أمام واقع اختلطت فيه المفردات والتعبيرات الغربية باللهجة وباللغة العربية الفصحى، مما أفرز منتجاً ركيكاً وضعيفاً يتصور البعض أنه لغة. وحقيقة الأمر أن هذه اللغة لا تمت للعربية بصلة». وينتقد الدكتور سفر عدم إيلاء إتقان اللغة العربية الاهتمام الكافي، ويطالب بإنشاء «لجنة عليا يناط بها النظر في المقررات التعليمية من فترة لأخرى» (الوطن 28-9-2011).

ومما يلفت النظر في مجال الاهتمام بواقع ومستقبل اللغة العربية، غياب اهتمام جماعات الإسلام السياسي باللغة العربية، «لغة القرآن الكريم ولغة أهل الجنة»، كما يذكرون دوماً، بينما لا نجد مصرفاً إسلامياً واحداً يخصص منحة مالية لدعم البنية التحتية في هذا المجال الهام، حيث تشتد الحاجة إلى القواميس الحديثة واللجان العصرية وتطوير التدريس والمناهج وغيرها، رغم كثرة البنوك الإسلامية وموجوداتها التي باتت تصل إلى التريليونات!

أما الدكتور خالد القحص فيقول: «كنت أكره مادة اللغة العربية في صغري، حتى جاءني مدرس سوري في مدرسة الجهراء المتوسطة، فحببني باللغة العربية منذ ذلك الوقت، لأنه اتبع طريقة محببة في التدريس، وأصبحت اللغة العربية من المواد المفضلة لي، لأن الذي نقل لي اللغة نقلها بطريقة غير تقليدية وجذابة». ويرى الدكتور القحص أن الإعلام يلعب دوراً من خلال برامجه في تنفير الناس من اللغة العربية وفي عدم الاهتمام بها، وذلك جراء «انتشار وشيوع اللهجات العامية في كثير من البرامج والأغاني والمسلسلات والأفلام والمسرحيات، ما يجعل المشاهد العربي عرضة للعامية». والأخطر في رأي أستاذ الإعلام الدكتور القحص أن انتشار العامية لم يتوقف عند البرامج الترفيهية والدرامية، بل تعدى ذلك «ليصل حتى إلى البرامج الأدبية والإخبارية والثقافية والدينية، فأصبح الجهور العربي لا يستمع إلى اللغة العربية بشكل كاف، مما أفسد ذائقته، وحرم آذانه من استماع العربية، وجعلها ثقيلة على النفس». وينتقد القحص انتشار اللغة الأجنبية في الخطاب الإعلامي الموجه للمشاهد والمستمع العربي، حتى "وصل الأمر إلى أن تصبح أسماء البرامج الموجهة للشباب والأطفال بمفردات أجنبية». وأعرب الدكتور القحص عن اعتقاده بأن اللغة العربية تواجه اليوم جملة من التحديات، حيث «يعتبر الاستعمار أحد أهم هذه التحديات». ومن التحديات الأخرى «اللهجات العامية والمدارس الأجنبية ووسائل الإعلام» («الوطن» 28-9-2011). لكن هذه اللغات لها فضل كبير على اللغة العربية من ناحية إثرائها بالألفاظ والتعبيرات والعناية بدقة المصطلح وغير ذلك، وكان للاستعمار دوره السلبي في الجزائر التي حاولت فرنسا تحويل ثقافتها ولغتها، ولكن فرنسا وبريطانيا احتضنتا الصحافة العربية من «العروة الوثقى» التي أصدرها جمال الدين الأفغاني إلى العديد من الصحف والمجلات التي تصدر بالعربية هناك الآن، والكتب العربية التي قد لا تسمح بعض الحكومات العربية بصدورها في بلدانها.

           
  



ليست هناك تعليقات: