.

2016/03/28

مشاهد من تاريخ الخضرمة السياسي باليمامة




 في القرن الثالث الهجري نشأت إمارة لبنى الأخيضر العلويين في اليمامة قاعدتها الخضرمة، استمرت لقرنين من الزمن، واتفق المؤرخون على أنها لعبت دوراً مهماً في تاريخ المنطقة، فمن هم بنو الأخيضر؟
وما هي أخبارهم في اليمامة؟
هذا موضوع هذا المقال الذي نستعرض فيه لمحات من تاريخهم بحسب ما توفر من معلومات.
هم ذرية محمد (الملقب بالأخيضر الصغير) بن يوسف (الملقب بالأخيضر الكبير) بن إبراهيم بن موسى (الجون) بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبى طالب رضي الله عنه.
توفي موسى (الملقب بالجون) في السويقة الواقعة في عالية نجد بالقرب من ضرية، ويبدو أن علاقة ذريته بالبادية قد توطدت فنرى ابنه عبد الله يتوارى في البادية هرباً من العباسيين، وابنه الثاني إبراهيم يتزوج منهم، وعقب إبراهيم انحصر في يوسف الملقب بالأخيضر من زوجته قطيبة الكلابية، وإذا كانت غالبية المصادر التي اطلعت عليها تهمل الحديث عن يوسف فإن الفخر رازي يشير إلى يوسف بأمير اليمامة.
وأول من ورد ذكره في التواريخ إسماعيل بن يوسف (الأخيضر الكبير) الموصوف بأنه أمير البادية مما يدل على انه استعان بالبوادي سنة 251 هجرية حيث نجح في الاستيلاء على مكة المكرمة، ثم خرج إلى المدينة المنورة، ثم عاد إلى مكة التي يبدو ان أهلها كانوا غير راغبين في عودته لما فعله من سفك للدماء، وأخذ للأموال فحاصرها، وغلت الأسعار، وقتل أخوه الحسن أثناء ذلك، وأرسل الخليفة المعتز جيشاً للقضاء على ثورته، فهرب إلى البادية وتوفي في العام التالي بمرض الجدري؛ ولم يعقب فخلفه أخوه الذي يكبره بعشرين عاماً محمد الملقب بالأخيضر الصغير الذي سعى للاستيلاء على الحجاز فأرسل الخليفة المعتز قائده أبا السفاح الأسروشي في عسكر ضخم، فهرب محمد منهم وسار إلى اليمامة، فأسس إمارة قاعدتها الخضرمة، وهو في سن الثانية والأربعين، وورث الإمارة لذريته من بعده.
الحالة العامة في اليمامة
اليمامة من أغنى أقاليم الجزيرة العربية بثرواتها الطبيعية، حيث تتوافر فيها الينابيع السائحة، والآبار الجوفية الكثيرة مع خصوبة أرضها وسعة مساحتها، وتتميز بكثافة ثرواتها الحيوانية، ووصفت معادن اليمامة بالغزارة والتنوع.
ونعمت اليمامة بالاستقرار لفترات طويلة؛ فازدادت عمرانا، وعدت بحاضرتها حجر من الحواضر العربية الكبيرة، وكانت لوالي اليمامة سلطة امتدت إلى نواح كثيرة من الجزيرة العربية.
وقد برز في اليمامة كغيرها من البلاد الإسلامية العديد من الثورات التي لم تستمر طويلاً، ويرى الشيخ حمد الجاسر رحمه الله أن من أسباب قيام تلك الثورات جور الولاة وظلمهم لأهل اليمامة.
وشهدت اليمامة في القرن الثالث بروز القبائل القيسية وأحلافها وخاصة بني نمير الذين ضايقوا أهل اليمامة؛ هذا ما حدا بشاعر عقيل بن بلال الخطفي أن يشتكي للخليفة العباسي الواثق من إفسادهم، فما كان من الخليفة إلا أن أمر بغا وهو في المدينة أن يسير إليهم؛ ولم تكن مهمته سهلة فلقد عانى الكثير في معاركه معهم، إلى أن نجح في هزيمتهم. ويستدل من هذا الخبر أن الحالة العامة في اليمامة لم تعد مستقرة؛ وليس من المستبعد أن ذلك قد تسبب في ارتحال قبائل ربيعة إلى مصر. وفي ذات السنة في سابقة لم تحدث من قبل عقد الزيات في دار الخلافة لإسحق بن أبي خميصة القيسي من أهالي أضاخ الواقعة في عالية نجد ليكون والياً على اليمامة، واستطاع أن يوطد الأمن في المنطقة حيث قال أحد شعراء بني كلاب مادحاً له:
أمنا بحمد اللَّه من بَعْدِ خوْفِنا
وزِدْنا فَمنا مُعْزِبٌ ومُرِيحُ
ونمنا وما كُنَّا ننامُ
وأُطلِقَت ْحمائِلُ من أَعناقِنَا وصَفِيحُ

نشأة الإمارة:
لم يصلنا أي تاريخ كتب على يد أحد أبناء المنطقة معاصراً للأحداث يوفر معلومات دقيقة؛ وكل ما هو متوافر بعض الإشارات التي ترد لدى مؤرخين، وجغرافيين من خارج المنطقة، وفي حالة بني الأخيضر تضاف مشجرات؛ وكتب أنساب العلويين، لذلك نجد اضطراباً في الأخبار ومن ذلك تحديد تاريخ قدوم بني الأخيضر إلى اليمامة حيث تشير بعض المصادر إلى نهاية عام 252 هجرية أو بداية العام التالي أي بعد هزيمة محمد بن يوسف الملقب بالأخيضر الصغير في الحجاز وارتحاله إلى اليمامة، إلا أن ابن حوقل ذكر أن بدء إمارتهم كان في عام 232 هجرية؛ ومما يؤيد هذا الرأي إطلاق الفخر الرازي لقب أمير اليمامة على يوسف (الأخيضر الكبير)، إلا أن وصف الرازي لمحمد (الأخيضر الصغير) بأمير الأمراء في اليمامة؛ يرجح إنه هو الذي أسس إمارة قوية في المنطقة على عكس أبيه الذي وصف بالأمير فقط.
لماذا الخضرمة؟
إن السؤال الذي يتبادر إلى ذهن الباحث لماذا اختار بنو الأخيضر الخضرمة دون غيرها من بلدات الجزيرة العربية؟
تقع الخضرمة في جو أسفل وادي الخرج، في الموضع الذي تقوم فيه بلدة اليمامة في العهد الحاضر.
ويبدو لي أن هناك عدة عوامل تسببت في هذا الاختيار منها:
1- إذا كانت اليمامة قد تميزت بوفرة إنتاجها الزراعي، فإن وادي الخرج حيث تقع الخضرمة يعد أفضل أودية اليمامة من حيث الخصوبة، واعتمدت الحجاز وحتى الأحساء على إنتاجها الزراعي، بل إنها نالت اهتمام الخلفاء الأمويين ومن بعدهم العباسيين.
2- تميزت الخضرمة بالمنعة فلا يستطيع الأعداء الوصول إليها بسهولة.
3- حدث في القرن الأول الهجري تغييراً في التركيبة الاجتماعية لإقليم الخرج نتيجة توطين الخليفة معاوية بن أبي سفيان لأربعة آلاف من أهل الشام، لكي يقوموا بزراعة المناطق الخصبة، ويبدو أن وجود هذا الخليط من السكان يقلل من مقاومتهم لأي قادم جديد، فلعل بني الاخيضر لم يجدوا صعوبة في إزاحة آل أبي حفصة أمراء الخضرمة.
4- تميزت الخضرمة بموقعها المهم على طريق قوافل الحج والتجارة مما جعلها من أهم بلدات اليمامة من الناحية السياسية والاقتصادية تنافس حجر قاعدة اليمامة.
5- ليس من المستبعد أن بني الأخيضر اختاروا الخضرمة لا حجر حتى لايصطدموا بوالي اليمامة، وبقبائل اليمامة القوية وخصوصاً بني حنيفة.
أمراء بني الأخيضر
1- محمد بن يوسف (الملقب بالأخيضر الصغير) تولى الإمارة في اليمامة سنة 253 هجرية، وكان عمره اثنين وأربعين عاما.
2- يوسف بن محمد بن يوسف الأخيضر.
3- إسماعيل بن يوسف بن محمد بن يوسف الأخيضر، أشركه أبوه في الإمارة، ثم خلف أباه بعد وفاته، وذكر ابن حزم انه توفي، في حين يذكر ابن عنابه أنه قتل على يد القرامطة سنة 316 هجرية.
4- الحسن بن يوسف بن محمد بن يوسف الأخيضر، خلف أخاه بعد وفاته.
5- أحمد بن الحسن بن يوسف بن محمد الأخيضر خلف أباه بعد وفاته.
ومن أمراء بني الأخيضر الذين ذكروا دون أن يعرف ترتيبهم:
6- محمد بن أحمد بن الحسن بن يوسف بن محمد بن يوسف الأخيضر.
7- صالح بن إسماعيل بن يوسف بن محمد بن يوسف الأخيضر.
8- جعفر بن أحمد بن الحسن بن يوسف بن محمد بن يوسف.
9- علي بن أحمد بن الحسن بن يوسف بن محمد بن يوسف.
10- محمد بن جعفر بن أحمد بن الحسن بن يوسف بن محمد الأخيضر.
11- الحسن بن جعفر بن أحمد بن الحسن بن يوسف بن محمد الأخيضر، قتل أخاه الأمير محمد؛ واستولى على الإمارة.
12- كزراب بن علي بن جعفر بن أحمد بن الحسن بن يوسف بن محمد الأخيضر ثار على عمه واستولى على الإمارة، وعلى الأرجح أنه آخر أمراء آل الأخيضر.
علاقتهم بالقرامطة
شهد العالم الإسلامي في القرن الثالث قيام العديد من الحركات القرمطية؛ ومن أبرزها قرامطة البحرين والذين امتد نفوذهم ليشمل اليمامة والحجاز.
ويبدو أن بني الأخيضر اصطدموا معهم؛ حيث ورد لدى العديد من مؤرخي القرامطة ومعاصريهم ما يثبت وقوع صدام قوي بينهم وبين بني الأخيضر؛ منها ما ورد في خطاب علي بن الجراح (وزير الخليفة المقتدر بالله العباسي سنة ثلاثمائة هجرية) إلى سعيد الجنابي قائد القرامطة في البحرين حيث قال: (زعمت أنك الرسول المهدي، وقد قتلت العلويين وسبيت آل الأخيضر العلويين، ومن باليمامة إلخ.. ). وعلى الأرجح أن القرامطة أطلقوا بني الأخيضر مع من أطلق من أسرى استجابة لدعوة الخليفة.
يبدو أن بني الأخيضر بسطوا نفوذهم على مناطق واسعة من اليمامة فنراهم في عام 310 هجرية عندما مرت اليمامة بجفاف؛ قاسموا أهل قران ثرواتهم مما تسبب في ارتحالهم إلى البصرة، وعلى الأرجح أن توسع إمارتهم لم يكن إلا برضا القوة الأبرز في الجزيرة العربية (القرامطة)؛ ومما يدل على ذلك تسليم سليمان الجنابي القرمطي في عام 313 هجرية الكوفة لإسماعيل الأخيضر أمير اليمامة في ذلك الحين، قبل عودته إلى الأحساء.
إلا أن هذا الاتفاق تحول إلى نزاع في سنة 316 هجرية قتل على أثره القرامطة محمد بن محمد الأخيضر، وإسماعيل، وإبراهيم، وإدريس، والحسين بنو يوسف بن محمد بن يوسف. ولم يؤد ذلك لإسقاط إمارة بني الأخيضر حيث لم يستطع القرامطة الدخول إلى الخضرمة لمنعتها، بل عظم شأنهم في عز القرامطة كما يصفهم الأصفهاني المعاصر للأحداث.
ويذكر ابن خلدون وينقل عنه على ما يبدو القلقشندي أن نهاية إمارة بني الأخيضر كانت على يد القرامطة.
نفوذهم في اليمامة
ينفرد المسعودي وهو من أهل القرن الرابع بالقول ان إمارة بني الأخيضر قد امتدت لتشمل اليمامة والبحرين؛ وإذا صح ذلك فلا بد أنه كان لفترة قصيرة، وقد رجح الدكتور صالح النشمي رحمه الله أن امتداد إمارتهم لم يشمل إلا جزءاً من اليمامة مستدلاً على ذلك بورود أسماء ولاة للدولة العباسية على اليمامة أثناء وجود إمارة بني الأخيضر، ومن المعروف أن الدولة العباسية قد شهدت الكثير من الضعف في ذلك الزمن، ولم يرد لدى المؤرخين أي نص يشير إلى حدوث اصطدام ما بين العباسيين وبني الأخيضر؛ ولذلك فليس من المستبعد أن العباسيين كانوا راضين عن قيام إمارتهم؛ أو أنها كانت تتبع الخلافة العباسية اسمياً كما هو حال الكثير من الإمارات في ذلك العهد، ومما يؤيد هذا الاستنتاج ما ورد في خطاب وزير المقتدر العباسي آنف الذكر والذي يبدي فيه غضب العباسيين من قتل القرامطة لبني الأخيضر وسبيهم، أيضا تطبيق بني الأخيضر نظام المقاسمة أي نظام الخليفة المهدي.
ولعل وصف الرحالة الفارسي ناصر خسرو لنفوذهم يوضح حالهم حين قال: (ولم ينتزع أحد منهم هذه الولاية، إذ ليس بجوارهم سلطان أو ملك قاهر).
نهاية إمارة بني الأخيضر
تكرر لدى العديد من المؤرخين خبر استمرار إمارتهم كالأصفهاني، المسعودي إلخ...، وآخرهم ابن حزم المتوفى سنة 456 هجرية، ومما يؤيد ذلك ما ذكره الرحالة الفارسي ناصر خسرو الذي زار اليمامة في منتصف القرن الخامس.
ونهاية إمارة بني الأخيضر كان على يد القرامطة بحسب ابن خلدون والقلقشندي؛ وإذا كان ابن خلدون عنى قرامطة الأحساء والبحرين فعلى الأرجح أن ذلك قد حدث قبل نهاية العقد السادس من القرن الخامس أي قبل زوال دولتهم من الأحساء، ومما يتفق مع ذلك عدم ورود أي ذكر لهم لدى الجغرافيين الذين وصفوا اليمامة في القرن السادس الهجري وما بعده.
وينقل ابن عنابة عن بعض معاصريه أن بني الأخيضر غير معروفين في زمانه في اليمامة أي في القرن الثامن، وأن بقاياهم يعرفون بآل يوسف، لا يعرفون أنسابهم، وحالفوا قبائل عائذ، وعامر أبرز قبائل اليمامة في ذلك العهد. ويذكر ابن خلدون فرعاً من بني رياح من بني هلال يعرفون بالأخضر لا يستبعد أن يكونوا منهم.
منقول

سليمان بن ناصر بن سليمان الدرسوني – الرياض

ليست هناك تعليقات: