.

2016/03/05

ربع مفردات اللغة الإسبانية من أصول عربية

 سلمى الحفار الكزبري


انتشار الكلمات العربية إلى اليوم داخل اللغة الإسبانية دليل آخر على عمق التأثير العربي والإسلامي الذي يظل حتى يومنا هذا شاهدا على حضارة أسسها العرب في شبة الجزيرة الإيبيرية.
لقد ثبت للباحثين اللغويين الإسبان أن تأثر اللغة الإسبانية باللغة العربية عميق جدا، بسبب انتشارها الواسع في الأندلس وبعض المقاطعات الإسبالنية على مدى ثمانية قرون تقريبا إبان الحكم العربي الذي بدأ مع دخولهم إليها سنة 711م واستمر حتى بعد خروجهم منها سنة ١٤٩٢م.
ولقد شهد التاريخ أن
العرب أسسوا حضارة في شبه الجزيرة الإيبيرية تجلت في انتشار العلوم والفنون والعمران كما في الصناعة، والزراعة، والهندسة المعمارية إبان تلك القرون الغابرة، مما جعل الأندلس آنذاك مزدهرة ومركز إشعاع في أوروبا كلها، ومحجة لطالبي العلم فيها.
كلنا يعرف أن الفاتح العظيم (طارق بن زياد) كان أول من دخل الأرض الإسبانية مع عدد كبير من الرجال من سكان بلاد المغرب الأصليين صحبوه في حملته المظفرة، وبينهم جنود شاميون انضموا إليه، ولذلك سموا المضيق الذي عبر منه مضيق (جبل طارق) منذ ذلك التاريخ.
نعرف كذلك أن الفتح الإسلامي للأندلس عرف موجتين بعد طارق بن زياد كانت الأولى بقيادة الفاتح (موسى بن نصير) الحجازي المنبت والدمشقي النشأة، وكانت الثانية بقيادة الفاتح (بليح بن بشر) الدمشقي وهذا ما جعل العنصر العربي في إسبانيا كلها، ما عدا المقاطعات الشمالية منها، هو الأقوى لأنه استطاع أن ينشر لغته فيها. إن المهم في هذا الأمر استمرار أثر اللغة العربية في اللغة الأسبانية حتى يومنا هذا بدليل كتاب قيّم نشره في مدريد عالم لغوي، وعضو في مجمع اللغة الإسبانية هو الدكتور «رافائيل لابيسا» تحت عنوان (تاريخ اللغة الإسبانية).
في هذه الدراسة الموثقة يقول إنه يوجد في اللغة الإسبانية حاضرا أربعة آلاف كلمة عربية، بعضها ظل على حاله، وأكثرها أصابه التحريف كتابة ولفظا، وهذا يعني أن ربع اللغة الإسبانية واسعة الانتشار في العالم من أصل عربي.

كلمات عربية

أما السبب في تحريف بعض المفردات العربية،
وأسماء المدن والأماكن الجغرافية فيعود إلى الذوق الإسباني أولا، ثم إلى افتقار اللغة الإسبانية ذات الأصل اللاتيني إلى حرف (الضاد) العربي، في حين أنها اقتبست من اللغة العربية أحرفا غير موجودة في اللغات الأوروبية ذات الأصل اللاتيني منها (الثاء) و(الخاء) على سبيل المثال. كما أكد المؤرخ المذكور أن غالبية الكلمات التي تبتدئ بأل التعريف في اللغة الإسبانية بقيت على حالها فيها، منها مثلاً:
‫-‬ الرز ARROZ
- السكر ACUCAR
‫-‬ الكرز ALCARAZ
والأخيرة اسم قرية أندلسية
والمدور(ALMODOVAR) فيما أضحت بلدة ( المنكّب) الواقعة في جنوب إسبانيا على ساحل البحر الأبيض المتوسط، بالقرب من مدينة ملقة، التي دخل إليها الأمير الأموي الناجي من دمشق عبد الرحمن بن معاوية قادما من المغرب تدعى بالإسبانية (ALMONECAR)، ولقد أقام محافظها في التسعينات من القرن العشرين تمثالاً ضخما على شاطئها للأمير عبد الرحمن الداخل اعترافا بفضلة على ازدهار الأندلس، حضره عدد كبير من المستعربين والباحثين والمؤرخين العرب والإسبان والأوروبين.
تتمة لما سبق أن ذكرته عن الأثر العربي العميق في اللسان الإسباني أود أن أشير إلى أن العرب بنوا مدينة صغيرة بالغرب من مدريد أسموها ( مدينة سالم، تعرف اليوم باسم: (MEDINACELI) كما أن بلدة (CALATAYUD) الأندلسية أسماها العرب حين بنوها (قلعة أيوب)، والنهر الكبير الذي يمر في كل من قرطبة واشبيلية اسمه بالإسبانية أضحى ( CUADALQUIVIR)، وهو مأخوذ من اسمه العربي ( الوادي الكبير).
في حين أن اسم القرية بالعربية كان العرب يدعونه (الضيعة) فإقتبسه الإسبان منذ ذلك التاريخ القديم إذ يسمون القرية في الأندلس (ALDEA) كما أن (المعصرة) بقيت تحمل اسمها العربي منذ القدم بالإسبانية فيقولون عنها (ALMAZARA) وكذلك (الساقية) التي ظلت تدعى بالإسبانية (ACEQVIA) في حين أن كلمة (حتى) بقيت على حالها في اللغة الإسبانية إذ يقولون عنها (HASTA )
ويقولن عن السوق (ZOCO)، وعن فلان (FULANO)
ويطيب لي أن اضيف إلى ما سبق أن من أطرف ما كتبه المؤرخ الدكتور (رفائيل لابيسا) في دراسته (تاريخ اللغة الإسبانية) قوله: (تعارف العرب على تسمية الغني (ابن الدنيا) واللص (ابن الليل) فألف الأندلسيون هذه العبارات الرمزية واقتبسوا الفكرة في لغتهم الدارجة فأطلقوا على المتدين اسم (ابن الإحسان)، وعلى اليتيم (ابن الحجر)، وعلى الإنسان السطحي (ابن يومه).....
أعتقد أن اسم العاصمة الإسبانية (مدريد) يستحق أن نبحث عن أصلة وعن تاريخ تشييدها لأن الذي حط رحاله في بقعتها الفنية بالمياه كان أميراً أموياً اسمه محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمان الأول، الداخل في بداية القرن الحادي عشر الميلادي، ويؤكد المؤرخون الإسبان، والعرب، ومنهم الباحث المشهور الدكتور محمد على مكي في كتابه (مدريد العربية أن الأمير محمد هو الذي بنىى في موقعها قصراً له، ومسجداً، وشيدها مطلقا عليها اسمها الحالي الذي اتخذه من كلمة(مجرى) مضافاً إليها حرفا ( IT) أي (إيط) اللاتينين فكان ( مجريط)، ثم أضحى ( مدريد). لقد أمّها الناس في عهده وبنوا فيها أسواقاً وحمامات، ومساكن حتى أضحت في العصور اللاحقة عاصمة لإسبانيا منذ ١٥٦١ ميلادية، أي منذ أن اتخذها الملوك الكاثوليك مقرا لهم بعد خروج العرب من بلادهم بمدة طويلة.
وعندما بنوا فيها القصر الملكي أسموه (قصر الشرق) لأنهم شيّدوه على أنقاض قصرالأمير محمد الأموي، باني المدينة، ولا يزال السفراء المعتمدون في إسبانيا يقدمون أوراق اعتمادهم في احتفال تقيمه المملكة الإسبانية حاضرا، مثلما كانوا يفعلون في أيام الحكم الملكي السابق وحتى في الحقبة التي حكم إسبانيا فيها الجنرال فرانكو رئيسا للدولة.

الموريسكيون

إننا نعرف أن الإسبان استرجعوا طليطلة سنة 1085م، أعني الموك الكاثوليك فيها، ثم سرقسطة، وقرطبة في القرن الثاني عشر، واشبيلية في القرن الثالث عشر، وملقة، وغرناطة أخيرا سنة ١٤٩٢ في أواخر القرن الخامس عشر، ولكن الأثر العربي في اللغة الإسبانية استمر واضحا حتى القرن السابع عشر حيث عرف الذين كانوا يتداولونها باسم (موريسكيين) إلى أن اندمجوا بالإسبان وبلغتهم الأصلية ودينهم، ما عدا فريقا كبيرا منهم هاجر إلى المغرب.
ثم ظهر في إسبانيا فن عظيم في الهندسة والصناعات اليدوية عُرف باسم (المدجّن) مما يدل على أن الأثر العربي لم يزل كلياً بزوالهم، أما (المستعربون) من الإسبان فهم الذين تأثروا باللغة والثقافة العربيتين، وأسمهموا مع الموريسكيين والمدجنين في تغذية لغة إسبانيا، لاتينية الأصل، باللغة العربية، وفي ترجمة آثارها الأدبية والفلسفية، والعلمية، مساهمه فعالة، إن الدليل على عمق تأثيرهم هو استعانة الإسبان بالمتنفذين بهم بعد سقوط
طليطلة عندما أسس رئيس الأساقفة فيها (دون رايمونوا) مدرسة الترجمة المشهورة فيها سنة 1125م. كما أن الملك الفونسو العاشر الملق ب(العالم) الذي حكمها من سنة 1252 حتى سنة 1284م جمع في بلاطة العديد من الموريسكيين والمدجنين الذين كان بينهم مستشاره الخاص (الونسودل كاستيللو) وعينه كبير التراجمة للآثار العربية اللغوية، والأدبية والعلمية في قصره. هذا الشرح هو ما يقودنا إلى الاعتراف بفضل الموريسكيين والمدجنين على المحافظة في إسبانيا على كل ما كان للعرب فيها من منجزات مهمة إبان حكمهم لها، ومنها لغتهم. كما أن طبقة من هؤلاء قد تعودت آنذاك، وفي فترة وجيزة، تدوين الأبحاث والمؤلفات والرسائل باللغة الإسبانية متضمنة كلمات عربية فنشأت بسببها ثقافة سميت (الأعجمية) ولكنها لم تعمر طويلا لانصهار أصحابها بالبوتقة الإسبانية.
وقبل أن أختم هذه المقالة أرى من الضروري العودة إلى كتاب المؤرخ اللغوي (رافائيل لابيسا) فأشير إلى أنه ذكر فيه إعجاب سكان إسبانيا في المقاطعات الشمالية غير الأندلسيين بالتقاليد العربية، وحتى في الأزياء، وتأثرهم في القرون الوسيطة بالزجل، والموشح الذي ظهر جليا في الشعر الغنائي الشعبي، كما في الشعر الملحمي البطولي كأنشودة (رولان) ورائعة سيرفانتيث (دون كيشوت، وأنشودة (السيد) التي تحمل اسم مؤلفها ( السيد) الذي كان من المستعربين في مدينة أندلسية.

حنين دائم

إن ما سبق في هذا البحث الموثق يؤكد لنا أهمية الأثر العربي في اللغة الإسبانية والعديد من التقاليد في حواضر الأندلس خاصة ذلك الأمر الذي ما يزال جليا حتى في أسماء العديد من الأسر العريقة حاليا ك:
‫-‬ بني أمية، BNIHUMEYA
‫-‬ أبو المنذر، ABOLMONZER
‫-‬ المظفر، ALMOZAFAR
كما هو جلي في وجوه العديد من الجميلات الأندلسيات، والرجال، والأطفال، ولا سيما في تكريمهم الضيوف، والسياح على مختلف عروقهم، وفي كرمهم الأصيل، وليس غريبا بعدما سبق أن أشرت إلية أن يشعر العربي في إسبانيا، أعني في مقاطعات الأندلس ومدنها الداخلية والساحلية وقراها بأنه بين اقرباء له، لا غرباء عنه، وعلى الرغم من البعد الزمني على وجود أسلافنا العرب في أرضه الطيبة وخروجهم منها، كما أن الأندلسيين أنفسهم يبادلوننا الشعور ذاته عندما يزورون بلادنا العربية.

ليست هناك تعليقات: