.

2016/03/26

القواميس العربيّة

  لقد كان الانتقال من تأليف الرّسائل اللّغوية الصّغيرة الحجم إلى وضع القواميس اللّغوية العامّة انتقالا طبيعيّا منطقيّا، إذ كان لا بدّ من جمع ما تفرّق من ألفاظ اللّغة العربيّة في صنف من التّآليف جديد سبقت إليه بعض الأمم الأخرى مثل اليونانيّين والرّومان والصّينيّين والهنود. و هو القاموس الذي يمتاز بالشّمولية وسهولة الاستعمال عند البحث عن معنى مفردة معيّنة. وقد استمرّ هذا الجهد حتّى اليوم، مُغنيا المكتبة العربيّة بقواميس كثيرة امتازت
بتنوّعها الشّديد من جهتي طرائق الوضع و المحتوى.
   فمن ناحية طرائق الوضع توزّعت القواميس التي ألّفها القدامى على أربع تقنيّات رئيسة هي : أوّلا : طريقة الخليل بن أحمد الفراهيديّ ( ت 175 ه ) التي اعتمدها في كتاب العين والتي قامت على مبدإ تبويب الكتاب طبقا لمخارج الحروف من الحلق إلى الشّفتين، مع تسمية كلّ باب بحرف ثمّ ترتيب الجذور داخل كل باب باعتماد التّقليب. وقد تابعه فيها أبو عليّ إسماعيل القاليّ ( ت 356 ه ) في كتابه البارع و أبو منصور محمّد الأزهري ( ت 370 ه ) في كتابه تهذيب اللّغة وأبو القاسم إسماعيل بن عبّاد الملقّب بالصّاحب ( ت385 ه ) في كتابه المحيط وأبو الحسن عليّ بن سيده ( ت 458 ه ) في كتابه المحكم والمحيط الأعظم، ثانيا : الطّريقة التي نسبت إلى البرمكيّ ت 411 ه ) لأنّه أوّل من طبّقها كلّيا في إعادة ترتيب الصّحاح للجوهريّ. وهي تعتمد ترتيب الجذور أو الألفاظ حسب أوائل الأصول، وكان قد اتّبعها من قبله جزئيا أبو عمرو إسحاق الشّيبانيّ ( ت206 ه ) في كتابه الجيم وأبو بكر محمّد بن دريد ( ت 321 ه ) في كتابه جمهرة اللّغة ثمّ أبو الحسين أحمد بن فارس ( ت 395 ه ) في كتابه مقاييس اللّغة ثمّ على نحو كلّيّ أبو القاسم جار الله محمّد الزّمخشري (ت 538 ه) في كتابه أساس البلاغة ، ثالثا : طريقة أبي نصر إسماعيل الجوهري ( ت 393 أو 400 ه ) التي اختار فيها ترتيب الجذور وفق أواخر الأصول.وقد سار على نهجه فيها أبو الفضل جمال الدّين بن منظور ( ت 711 ه ) في كتابه لسان العرب وأبو طاهر محمّد الفيروزباديّ ( ت 817 ه ) في كتابه القاموس المحيط ومحمّد مرتضى الزَّبيديّ (ت 1205 ه ) في كتابه تاج العروس من جواهر القاموس، رابعا : طريقة أبي القاسم بن سلاّم الهرويّ ( ت224 ه )التي تقوم على التّبويب حسب الموضوعات . وقد اتّبعها في كتابه الغريب المصنّف واقتفى أثره فيها أبو يوسف يعقوب بن السّكّيت ( ت 224 ه ) في كتابه دلالة الألفاظ وأبو الفرج قدامة بن جعفر ( ت 320 ه ) في كتابه جواهر الألفاظ وأبو هلال الحسن العسكريّ ( ت 394 ه ) في كتابه التّلخيص وابن سيدة في كتابه المخصّص.
    أما من ناحية المحتوى فقد تراوحت معايير الجمع في القواميس العربيّة التّراثيّة بين التشدّد في الفصاحة مثلما هو الشّأن في كتاب تهذيب اللّغة للأزهريّ و كتاب أساس البلاغة للزّمخشريّ و كتاب صحاح اللّغة للجوهريّ و الاكتفاء بالشّائع المتداول كما هو الأمر في كتاب جمهرة اللّغة لابن دريد والانفتاح على المولّد على نحو ما جاء في القاموس المحيط للفيروزبادي أو حتّى على الدّارج المحليّ. وهو ما اختصّ به كتاب تاج العروس للزّبيديّ.     
وفي العصر الحديث بُذلت منذ القرن التّاسع عشر ولا تزال جهود كثيرة لتطوير القاموسيّة العربيّة. فظهرت عدة قواميس اعتُمد فيها كلّها على نحو نهائيّ التّرتيب الهجائيّ للموادّ طبقا لأوائل الأصول واختُصِرت الشّروح واكتُفِي بالضّروري اللاّزم من الشّواهد مع إغنائها بالمصطلحات العلميّة وألفاظ الحضارة الحديثة ، أسبقها إلى الظهور محيط المحيط لبطرس البستانيّ ( ت 1883 م) وأقرب الموارد في فصح العربية والشّوارد لسعيد الشّرتونيّ ( ت 1919 م ) ثمّ أقحمت فيها الصّور والرّسوم والخرائط والجداول ، كما في المنجد للويس المعلوف ( ت 1946 م ) و فاكهة البستان لعبد الله البستاني ( ت 1930 م ).
   ولقد أسهم مجمعا دمشق والقاهرة في هذا الجهد.فأصدر الأول سنة 1958 ببيروت متن اللّغة الذي كان قد عهد بتأليفه إلى أحمد رضا ( ت 1953 م ) ونشر الثانيّ ثلاثة قواميس كلّف بوضعها لجانا متخصّصة هي المعجم الوسيط ( ط 1 1960 ) والمعجم الكبير . وهو معجم تاريخيّ أصدر منه إلى حدّ الآن ثلاثة أجزاء : الأول في سنة 1970 والثاني في سنة 1982 والثالث في سنة 1992 والمعجم الوجيز (1994).
      لكنّ هذه الجهود الفرديّة والجماعيّة لا تزال مع ذلك محتشمة مقارنة بالاستعمال الذي يتّسم بالحركيّة الشّديدة المتواصلة وبالحاجات التعبيريّة المتناميّة للإنسان العربي نتيجة الانفتاح على العصر والاحتكاك بالأمم المتقدّمة التي لا تنفكّ لغاتها عن النموّ والتطوّر بفضل العناية التي تحظى بها من المجامع وسائر الهيئات العلميّة المتخصّصة .

ليست هناك تعليقات: