.

2016/03/12

المجمع العلمي اليمني للغة العربية

المجمع العلمي اليمني للغة العربية منارة علمية وإضافة ثقافية في اليمن

 د. عبد الله علي الفضلي
لقد كان لصدور القرار الجمهوري بإنشاء المجمع العلمي اليمني للغة العربية صدى واسع النطاق سواء على مستوى المثقفين اليمنيين أو في أوساط المهتمين والمتخصصين بشأن اللغة العربية ومفرداتها، حيث جاء قرار إنشاء هذا المجمع بتفكير ودراسة واقتراح أديب اليمن الكبير أ.د عبد العزيز المقالح، وذلك لتلبية متطلبات وضرورات العصر في مواجهة العولمة الثقافية التي بدأت تسود في العالم. إن أهمية
إنشاء المجمع العلمي اللغوي في العاصمة صنعاء يأتي أيضا لمواجهة محو الهوية الثقافية للشعوب العربية، وطمس معالم اللغة العربية وألفاظها ومفرداتها اللغوية وغزارة ما تمتلكه من ثروة لغوية من ألفاظ ومفردات واشتقاقات واستعمالات ومترادفات، قل أن تتوافر في أية لغة أخرى . وقد بدأ التآمر على اللغة العربية وطمس معالمها من خلال ما نلمسه ونسمعه ونشاهده في المسلسلات العربية والأفلام باللهجات العامية، وبات من يتكلم بكلمة أو كلمات عربية فصحى قيل له( أنت بتتكلم نحوي ونحن لا نفهم في النحو). ومما زاد اللغة العربية خطرا وتآمراً على طمس معالمها هو ما تقدمه القنوات الفضائية العربية للأجيال الحالية من مسلسلات أجنبية هندية وتركية ومكسيكية وإسبانية، وكلها باللهجات العامية الشامية والخليجية، ولكم أن تتخيلوا أحد الممثلين الهنديين وهو يقول في الحوار المدبلج بلغة عامية سورية ( شو بدك يازلمة من شان الله دير بالك على مصارينك ) وباتت اللغة العربية الفصحى عيبا كبيرا لدى تجار الأفلام والمسلسلات المدبلجة، حتى يحققوا مكاسب مالية مغرية لأن استخدام اللهجة المحلية والتحدث بها في المسلسلات والأفلام في أي بلد عربي يجذب عددا كبيرا من المشاهدين من أطفال ونساء وأميين وأنصاف متعلمين .
أما لو كانت المسلسلات والأفلام الأجنبية المدبلجة ناطقة باللغة العربية الفصحى فلن يشاهدها أحد حسب حسهم التجاري .
وكنا في بداية البث التلفزيوني في اليمن نشاهد ونسمع الأفلام والمسلسلات الأجنبية في تلفزيون كل من لبنان والكويت والسعودية وهي ناطقة باللغة العربية الفصحى، وكنا نسعد ونتعلم ونستفيد ونفهم أكثر من ألفاظ ومفردات اللغة العربية وبلاغتها وجزالة معانيها ومدى اتساع استخدامها . ومن المخاطر التي تحدق باللغة العربية هو رداءة وسوء التعليم في مختلف المراحل التعليمية في البلدان العربية، بالإضافة إلى سوء وضعف مدرسي اللغة العربية وركاكة وهشاشة ما يعرفونه من مفردات اللغة العربية ولذلك يلجأ معظم مدرسي ومعلمي اللغة العربية إلى شرح اللغة العربية نحوا وصرفا وإعرابا وإنشاءً وتعبيراً باللغة العامية، وهذا ما أدى إلى تدهور اللغة العربية بين صفوف الدارسين والمتعلمين . ولذلك فإن الأوائل من علماء اللغة العربية في العصور الإسلامية قد انطلقوا في تأليف المعاجم والقواميس اللغوية من منظورين هامين : منظور ديني ومنظور قومي، فالمنظور الديني أو العامل الديني هو أن اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم وألفاظه وما جاء به من إعجاز لغوي فريد، وكان هدفهم المحافظة على اللغة العربية وألفاظها ومفرداتها كما نزل بها القرآن، بالإضافة إلى المحافظة على ألفاظ ومعاني ومفردات القرآن الكريم الذي يعد دستور المسلمين وكتابهم الأول.أما المنظور الثاني او العامل الثاني فهو عامل قومي حيث لاحظ علماء اللغة العربية أن هناك أقواماً كثيرة قد دخلت إلى الحاضرة العربية والإسلامية واختلطت بالعرب واتخذت الإسلام دينا، إلا أن ألسنتهم كانت معوجة وعجماء فبدأوا ينطقون حروف وكلمات اللغة العربية بالحان متعددة وفيها اعوجاج وتشويه وفيها نقحرة، والنقحرة هي أن ينطق الإنسان الأجنبي أسم الشيء أو المعنى بطريقة مختلفة مثل (مخمد سالخ) أي ( محمد صالح ) أو( الكرآن) أي القرآن أو ( أهمد الوان المدهجي) أي ( احمد علوان المدحجي ) أو (الأمام أهمد بن هنبل) أي ( احمد بن حنبل) ولذلك سارع العلماء العرب وبادروا إلى المحافظة على اللغة العربية ومعانيها وألفاظها وبلاغتها خوفا من أن تندثر أو تهُجر . لقد بدأت فكرة إنشاء المجامع اللغوية العربية في منتصف الثلاثينيات من القرن العشرين في مدينة القاهرة وجُند لهذا المجمع خيرة العلماء في اللغة العربية وفي التخصصات العلمية الأخرى كالطب والزراعة والهندسة والعلوم والصناعة والأدب والقانون والتربية والتجارة والاقتصاد وغيرها من التخصصات التي تحتاج إلى قواميس ومعاني ومفردات ومصطلحات.
فإذا كانت المهمة الأولى للمجمع العلمي اللغوي هي المحافظة على اللغة العربية وبلاغتها وألفاظها ومعانيها ومفرداتها وتنقيتها من الكلمات والألفاظ والمعاني الدخيلة والوافدة على اللغة العربية وإيجاد اللفظ والمعنى والمصطلح العربي مقابل المصطلح الأجنبي، فإن المجمع اللغوي لا ينفرد بالمصطلحات والمعاني والألفاظ والكلمات الخاصة باللغة العربية فحسب، وإنما على المجمع اللغوي أن تمتد مهامه ووظائفه إلى التخصصات الأخرى التي ذكرت آنفاً وذلك لإيجاد المصطلحات والمعاني والألفاظ والكلمات باللغة العربية مقابل المصطلحات الأجنبية كنوع من التعريب وإيجاد البديل العربي . حيث ترك الاستعمار الأجنبي والتركي في الدول العربية التي احتلها واستعمرها مجموعة كبيرة من المعاني والألفاظ والكلمات والمفردات مازالت مستخدمة إلى اليوم في تلك البلدان، وبصفة خاصة في مصر وبلاد المغرب العربي وبلاد الشام، مثل كلمة( الكتبخانة الخديوية) أي مكتبة الخديوي اسماعيل باشا، وكذلك الإجزخانة بمعنى الصيدلية، والروزنامة والبازار، وغيرها من الكلمات والمعاني، فيقوم المجمع اللغوي باختيار وترشيح علماء في كل تخصص علمي لكي يتولوا إيجاد المصطلحات والمعاني للألفاظ والكلمات الدخيلة، وهذا ما تم بالفعل في مصر حيث قام المجمع اللغوي بإيجاد المصطلحات والكلمات والمعاني باللغة العربية الفصحى حتى لا يظل تداول الكلمات الأجنبية الدخيلة متداولا على ألسنة الناس، وهذا كله مدون ومكتوب في المعاجم التي قام المجمع بانجازها وهي: المعجم الوجيز والمعجم الوسيط والمعجم الكبير، وفيها الألفاظ والمعاني والكلمات التي عالجها المجمع على مدى أكثر من نصف قرن من الزمان.
وقد حذت كل من الأردن وسوريا حذو مصر فأنشأت مجمعا للغة العربية في كل من عمان ودمشق لنفس الأهداف والوظائف والأغراض التي قام عليها المجمع اللغوي المصري، وهي المحافظة على سلامة اللغة العربية وتنقيتها من الشوائب والألفاظ الدخيلة وإيجاد المصطلحات والألفاظ والكلمات باللغة العربية الفصحى، حتى لا تندثر الألفاظ العربية تحت وطأة اللغة العامية والألفاظ الدخيلة .
ونحن نأمل أن يقوم المجمع العلمي اليمني للغة العربية بنفس المهام والوظائف التي تقوم بها المجامع اللغوية في الأقطار العربية ومن هذه المهام على سبيل المثال جمع وتوثيق اللغة العامية في اليمن وتبسيطها وتفسيرها وشرحها وإصدارها في كتاب أو معجم بالإضافة إلى تنقية اللغة العربية من الألفاظ والكلمات الدخيلة والكلمات العامية والتوصية بإنتاج الأفلام والمسلسلات باللغة العربية الفصحى.
نتمنى لمجمع اللغة العربية في اليمن النجاح وأن يرى النور قريبا وأن تتوافر له الظروف والإمكانات والمناخ المناسب والرعاية الكاملة من قبل الحكومة وكبار المسئولين في الدولة وكبار رجال الأعمال الخيرين لدعم أنشاء المركز حتى يؤدي دوره الوطني وفقا للقرار الذي صدر بإنشائه.

ليست هناك تعليقات: