.

2016/03/12

التعدد اللغوي ودوره في إثراء اللغة العربية

د. سليمان علي عبد الحق
      اللغة " أصواتٌ يعبر بها كل قوم عن حاجاتهم " ، على حد قول ابن جني ( ت 392 هـ) ، كما أنها " ملكةٌ فطرية تمكن المتكلم بها من تكوين جمل نحوية وصرفية صحيحة " ، على حد قول نعوم تشومسكي ، ومن هنا فإن أهمية اللغة لا تكمن في مجرد كونها وعاءً للثقافة والحضارة فحسب ، ولا في كونها أداة للتواصل بين أبنائها أو المتحدثين بها ، ولكن أهميتها الكبرى تكمن في كونها محدداً رئيساً لهوية
الشخص المتكلم بها ، خاصة عندما يكون ابنا لها Native Speaker .
    ومن هذا المنطلق يمكن أن ندرك أهمية دراسة التعدد اللغوي ، وأثره على اللغة الأم ، بل على الاقتصاد القومي لأي أمة ؛ باعتبار أن اللغة صارت الآن سلعة تبادلية على مستوى الأداء ، والترجمة ، بل الإبداع ، وينبغي الإشارة إلى أن مصطلح التعدد اللغوي قد يختلط في أذهان بعض الباحثين بمفهوم مصطلحات أخرى وثيقة الصلة به ، ومنها على سبيل المثال : الازدواج اللغوي ، و التعدد اللهجي ، والثنائية اللغوية .
  فالازدواج اللغوي ظاهرة موجودة في سائر اللغات منذ أن ألهم الله ، تعالى ، الإنسان اللغة ، وعلمه كيف يتواصل مع بني جنسه ، عن طريق أصوات يعبرون بها عن حاجاتهم ، ونقصد بالازدواج اللغوي أن يكون للمجتمع مستوى لغوي فصيح  يتداول به الناس المعلومات والمكاتبات الرسمية ، ويكتب به المبدعون من الشعراء والكتاب ، بالإضافة إلى وجود مستوى لغوي آخر ينتشر على ألسنة العامة ، فيتواصلون به في الأسواق ، واللقاءات غير الرسمية ، ويكون لغة التخاطب بين الأفراد في المنزل .
      والازدواج اللغوي – بهذا المفهوم - ليس حكراً على اللغة العربية وحدها دون غيرها من لغات الشعوب الأخرى ، كما ادعى بعض رجال الفكر في أواخر سنة 1881 م  ، فاتهموا العرب بأنهم أمة تعاني مرضا لغويا اسمه " الازدواج اللغوي " ؛ فهم يكتبون بلغة ، ويتواصلون فيما بينهم بلغة أخرى مختلفة عن لغة الكتابة أو الإبداع ، صوتيا ، وصرفيا ، ونحويا ، ودلاليا .
     وسرعان ما أصبح زعمهم  دعوة لتوحيد العرب على لغة واحدة للكتابة والتعبير ؛ وهي اللغة العامية أو اللهجة العامية التي تنتشر على ألسنة أغلب العرب في كثير من الأقطار العربية . وكانت حجتهم في ذلك أن اللغة الفصحى لغة قديمة محدودة بحدود التأليف أو الكتابة الرسمية ، وأنها أصبحت مهجورة على ألسنة الأجيال الجديدة في العصر الحديث ، فهي غريبة عنهم ، وهم غرباء عنها ، حتى أن أكثرهم صار يستعين بألفاظ لغات أخرى كالإنجليزية والفرنسية في أثناء حديثه بالعربية ، ليوضح معنى ما أو يشير إلى مدلول معين .
    والذي يقرأ ما كتبه كثير من هؤلاء الزاعمين يدرك أن هناك هدفاً واحداً سعى إليه أصحابه بكل وسيلة ، وهو محاربة الفصحى والتخلص منها ، ( فهم تارة يدعون إلى العامية دعوةً صريحةً ، وهم تارة أخرى يدعون إلى التوسط بين الفصحى والعامية ، وتارة يدعون إلى فتح باب التطور في اللغة ، والاعتراف بحق الكتّاب في تغييرها كيفما كان هذا التغيير ، وإلى أي مذهب ذهب )  .
    ومن المؤسف أن كثيراً من دعاة العامية قد نسوا أو تناسوا ، أو بالأحرى لم يفطنوا إلى أن اللغة العامية هي ابنة شرعية للغة الفصحى ، ففيها كثير من الملامح اللغوية للفصحى على كافة المستويات الصوتية ، والصرفية ، والنحوية ، والدلالية ، ولكنها تنحرف عن بعض القوانين الصارمة للفصحى لتجد لها متسعا من الحرية على ألسنة العوام الذين لا يعرفون قواعد النحو أو الصرف ، أو الكتابة والقراءة أحيانا .
    وقد عاشت العامية إلى جوار الفصحى في جميع مراحل تاريخ الحضارة العربية قديماً ، ولم تسبب لها حرجا ، أو تطغى على مجالات اهتمامها ، أو ترغب في محوها والانفراد بالتعبير ، أو بمعنى أوضح ، إن اللغة الفصحى قد عايشت اللغة العامية أو اللهجات الإقليمية قديماً منذ العصر الجاهلي ، فالعصر الإسلامي ، فالعصر الأموي،  فالعصر العباسي ، فالعصر المملوكي دون أن تظهر مثل هذه الدعوات لهدم الفصحى أو اتهام العرب بأنهم مصابون بمرض الازدواج اللغوي .
   فهذه الدعوات لم تظهر سوى في العصر الحديث ، وقد أزكى أوارها الاستعمار الغربي الذي سعى إلى تهميش هوية الشعوب العربية ، وهدمها ، بإبعادها عن وعاء ثقافتها ، والرابط الوثيق الذي يؤلف بينها ، ويعبر عن ماضيها وحاضرها ومستقبلها ، وهو اللغة العربية الفصحى .
     أما التعدد اللهجي ، فيعني وجود لهجات متعددة داخل اللغة الواحدة ، وأغلبها فصيح ، ويرجع اختلاف هذه اللهجات فيما بينها إلى تنوع البيئات الجغرافية ، أو الأصول القبلية ، مثل تلك اللهجات المتعددة التي انتشرت في شبه الجزيرة العربية إبّان العصر الإسلامي ، وكان الرسول – صلى الله عليه وسلم – يخاطب كل قبيلة بلهجتها، مثل ما ورد في الحديث الشريف : ( ليس من امبر امصيام فمسفر )  ، فقد خاطب به الرسول – صلى الله عليه وسلم بعض أهل اليمن ، وكانوا يستبدلون في كلامهم أداة التعريف (أم) بـ (أل).
    وأبرز مظاهر التعدد اللهجي تلك القراءات المتعددة للقرآن الكريم ، فالمشهور منها سبع ، وقال بعضهم : عشر ، وأوصلها آخرون إلى أربع عشرة قراءة .
   أما ثنائية اللغة ، فمعناها تعلم لغة ثانية تضاف إلى اللغة الأم، وهنا نطرح بعض الأسئلة مثل : متى ينبغي تعلم هذه اللغة؟ وهل تعلمها يكون بالمستوى نفسه الذي تحتله اللغة الرسمية؟ كيف ننظر إلى الشخص ثنائي اللغة ؟ وهل مفهوم الثنائية يرفع المتعلم إلى تحقيق التكافؤ بين اللغتين معاً ، أم أنه يدرج الترجمة ضمن برنامجه التعليمي لتحقيق هذه  الثنائية ؟
       ويمكن أن نلخص الإجابة عن كل تلك الأسئلة بقولنا : إنه عندما نحل مشكلات لغتنا القومية على المستوى الصوتي ، والتركيبي، والنحوي ، والدلالي ، والمعجمي ، و نفعٍّل العمل بها في مؤسساتنا ، وتخاطبنا اليومي بما ينفع الناس ؛ أي في الإدارة ، و الإذاعة ، و التلفاز، و الإعلام المكتوب ، و كل البرامج المقدمة ، و في حوارات السياسيين ، واجتماعاتهم ، وكتاباتهم ، وتنظيرهم ، و عند الأطباء ، و في التعليم ، و تدريس العلوم الطبيعية ؛ كالطب والفيزياء ، والكيمياء ، والهندسة ؛ عندئذ يحق لنا بكل جسارة الإقبال على تعلم لغة ثانية  ، لا لجعلها لغة رسمية ، واعتبار اللغة الرسمية الأم لغة إبداع أو مخاطبات رسمية فقط ، كما هو شائع في كثير من الدول المستضعفة أو المغلوبة أو التابعة أو المشتتة ، وإنما لجعلها لغة ثانية فقط على مستوى التعلم و التعليم و التثقيف.
    أما التعدد اللغوي فيعني  امتلاك المتكلم ، بشكل عام،  لأنظمة لغوية متعددة ، بهدف الاستفادة من تلك الأنظمة في أغراض عدة ؛ مثل : التعرف على عادات أهل تلك اللغات وتقاليدهم ، وقيمهم ، وأفكارهم ، وحضارتهم ، ودراسة خصائص لغة الإبداع عندهم ، والاستفادة منها في المقارنة بين آداب تلك اللغات والأدب القومي في إطار ما يسمى حالياً بالأدب المقارن ، وكذا للبحث عن العلاقات اللغوية ، ومعرفة أصل اللغات ، والانفتاح على ثقافات تلك اللغات ، وإثراء مجال الترجمة بينها وبين اللغة الأم .
     ومن هنا يتضح أن التعدد اللغوي يمكن أن يكون أداة بناء للمجتمعات ؛ وذلك من خلال اعتباره نافذةَ انفتاحٍ على ثقافات الأمم الأخرى وخبراتها ؛ وفق مفهوم التوازن والتواصل الدقيق ، وبما يفيد تلك المجتمعات ، و يبعث فيها أمل بناء مستقبلها بشكل صحيح ، وترتيب أهدافها بحسب الأهم فالمهم ، و كل ذلك من خلال الفهم الواضح لجدوى ذلك التعدد اللغوي ؛ باعتباره اللبنة الحقيقية والأولى نحو هذا البناء ، و الانفتاح على السواء.
       فكثير من المجتمعات التي عانت الظلم و القهر و الاستبداد ، خاصةً دول العالم الثالث أو كما يسمونها بالدول النامية ، استفاقت ، مؤخراً ، على منظومة التعدد اللغوي خياراً وحيداً من أجل بناء أو إعادة بناء مجتمعها بناءً قوياً.
     وهذا الأمر ليس مقصوراً على الدول النامية فحسب ، بل يشمل كل أمة تريد أن تحافظ على هويتها ، ومكتسباتها الثقافية ، وموروثها الفكري ، بل ترفع من قيمتها بين مصاف الأمم الحديثة ، ولنأخذ على سبيل المثال اليابان؛ تلك التي انطلقت في تحديث بلادها منذ فترة الإصلاح الميجي بين سنوات (1868-1911م ) ، و منذ ذلك التاريخ بدا العمل بجدٍ و مثابرة و استمرارية وبكل تفانٍ ، حيث كانت نظرة اليابانيين جد متطلعة نحو مستقبل أفضل على جميع الأصعدة : سياسياً ، و اقتصادياً ، و صناعياً ، و لغوياً . و لذا تعد اليابان اليوم من الدول الكبرى و المتقدمة على جميع الأصعدة ، رغم بنية تضاريسها المتقلبة ، وكثرة البراكين والزلازل التي تجتاحها. كل ذلك بفضل سياستها اللغوية الناجحة ؛ التي خلقت فرصاً كثيرة نحو تعدد لغوي راقٍ ؛ فاليوم نشاهد الياباني يتحدث لغاتٍ متعددةً رغم صعوبة لغته ؛ كالإنجليزية ، والفرنسية ، والإسبانية ، والعربي، دون أن يتعارض ذلك مع اللغة اليابانية الأم .
     كما أن الصين ، ذات المليار والثلاثمائة مليون نسمة ، التي تجتاح العالم برمته : أسواقه ، ومعارضه ومهرجاناته ، استطاعت أن تتأقلم مع كثير من الثقافات ،  السياسات ،  المجتمعات بفعل انفتاحها على لغات أخرى ، و فهمها لثقافات الآخرين و حضارتهم و خبراتهم ، بما لا يتعارض مع اللغة الصينية الأم ، أو هويتها وقيمها الراسخة.
      وبعد : فما أحوجنا ، نحن العرب ، هذه الأيام إلى أن نعيد النظر إلى لغتنا الأم ؛ اللغة العربية ، لغة القرآن الكريم ، وأن نضع خطة إستراتيجية لغوية ناجعة لمعالجة مشكلاتها الصوتية ، والصرفية ، والنحوية ، والدلالية ، وأن نفعل التحدث بتلك اللغة في كافة المخاطبات الرسمية ، وأبرزها وسائل الإعلام بأنواعها كافة ؛ المرئية ، والمسموعة ، والمكتوبة ، وكذا في قاعات التعليم والتعلم ؛ بدءاً من مرحلة الروضة ، حتى نهاية المرحلة الجامعية ، ثم بعدها نشرع في الانفتاح و الاستفادة من خبرات الأمم الأخرى وثقافاتها ولغاتها عبر هذا الجسر اللغوي القوي الذي يسمى بالتعدد اللغوي ، الذي يعد أداة رصينة من أدوات إثراء اللغة الأم .

ليست هناك تعليقات: