.

2016/03/12

اللهجات روافد لاغناء العربية الفصحى

د. محمد نافع العشيري

قراءة في كتاب "الأصول الفصيحة للهجة جبالة بالشمال المغربي"
تقديم:
صدر مؤخرا عن  منشورات سليكي أخوين كتاب" فصل في اللسانيات التاريخية: الأصول العربية الفصيحة للهجات قبائل جبالة بالشمال المغربي في ضوء علمي التأثيل و الدلالة" للباحث المغربي عبد اللطيف الوهابي، و لا يمكن فهم  قيمة هذا الكتاب الا بوضعه في سياقة التاريخي والمعرفي. فهو كتاب ينتمى الى علم اللسانيات كما هو واضح من عنوانه، وقد عرف تاريخ هذا العلم مراحل متعددة أهمها:
1-    مرحلة الدراسة اللغوية التي

اختلطت  بالفلسفة والمنطق وعلم الكلام) حيث كان الاهتمام منصبا على تحديد العلاقة بين الدال والمدلول أهي علاقة طبيعة أم مواضعة. كما اهتمت بطبيعة اللغة أهي  قياس أم سماع، بالاضافة الى محاولات تقعيد ومعيرة بعض اللغات الكبرى وخاصة اليونانية واللاتينية.
2-    مرحلة اللسانيات المقارنة والتاريخية (الدياكرونية) التي بدأت مع اكتشاف اللغة السنسكريتة وظهور نظريات التطور في أوروبا، خاصة مع لامارك و داروين.
3-    مرحلة اللسانيات البنيوية مع فردناند دوسوسير(1916) الذي ركز على الوصف التزامني للغة وفق منهج أحدث ثورة ليس فقط في اللسانيات بل في كل العلوم الانسانية.
لقد أصبحت اللسانيات مع دوسوسير تهتم بدراسة اللغة في ذاتها ولذاتها، فتم اهمال اللسانيات التاريخية وحدث ما يشبه القطيعة الابستمولوجية. لكن الجديد الذي حملته اللسانيات البنيوية هو التخلص من تلكم النظرة المعيارية للغة. فلم يعد الاهتمام بدراسة اللغات المعيارية والأدبية فقط، بل تمّ الاهتمام بكل اللغات سواء أكانت معيارية أم غير معيارية، قديمة أم حديثة، لغة حضارة أم بداوة. ومن هنا انتقل التصنيف الحديث من لغة ولهجة الى الحديث عن المستويات والسجل والمنوعة. ومن ثم ظهر علم اللهجات وأصبحت أمام اللسانيين مادة خصبة بسبب طبيعتها الشفوية المجال المفضل للسانيات.
تعرف اللهجة عموما بأنها نمط محلي يستعمله أفراد جماعة معينة في منطقة معينة. لكني أتحفظ على هذا التعريف بسبب عدم دقته. وقد حاول لسانيون وضع شروط كثيرة فيحدثوا عن الاختصار والتاريخية والارث الأدبي والتفاهم والواقعية... لكنني أؤكد على معيار التقعيد والهيبة والاعتبار ومعيار الحدس اللغوية (احساس المتكلمين بمثل لغوي أعلى. فاذا سألنا  مثلا المغربي والمصري والكويتي عن اللغة التي يتحدث بها سيخبرنا أنه يتحدث العربية).
ليس موضوع اللهجات موضوعا جديدا، فقد تحدث عنه القدماء في ثنايا مؤلفاتهم أو في كتب مستقلة  مثل كتاب" ما تلحن فيه العامة" للكسائي و" لحن العامة" للمازني، و كتاب" لحن العامة" للزبيدي و"الفاخر فيما تحلن فيه العامة " للمفضل بن سلمة و"أدب الكاتب" لابن قتيبة" و"المعرب" للجوالقي. ومن المؤلفات المغربية في هذا الصدد كتاب" لحن العوام" للزبيدي الاشبيلي الاندلسي و"الفوائد العامة في لحن العامة" لابن جزي الكلبي الغرناطي... ولكن الغالب على هؤلاء هو التعامل مع اللهجات ككيان ناقص وغير مكتمل، و قد استمر الأمر مع المعاصرين وهذا الموقف السلبي راجع في نظرنا الى سببين:
-    المعاني السلبية للجذر ل.ه.ج في العربية. اذ يمكن أن نحدد ثلاث محددات للهجة عند العربي وهي:
أ:  طريقة الاكتساب: فاللهجة هي اللغة الأم التي جبل عليها الطفل وتعلمها في محيطه الأسري والاجتماعي دون أي تدخل مقصود( لهج الفصيل ثدي أمه، رضعه)
ب- الطبيعة  التكوينية: اللهجة خليط غير منسجم من اللغات واللهجات(لهوج الشيء خلطه ولهوج الأمر خلطه ولم يبرمه.
ج- القيمة الاجتماعية: اللهجة منوعة ناقصة لم تنضج بعد وترادف اللحن(لهوج الطعام طبخه ولم ينضجه)
ثم دعوة المستشرقين ومن والاهم من العرب، كسلامة موسى وسعيد عقل... الى احلال اللهجات محل الفصحى مما جعلها تدخل في صراع خفي مع الفصحى عوض التكامل التي قامت به على امتداد التاريخ.
فقد اهتم المستشرقون  باللهجات العربية، وخاصة بعد الحملة الفرنسية على مصر، وأسست لهذا الغرض عدد من المدارس لدراسة اللهجات منها" المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية" و "مدرسة فتيان اللغات و"المدرسة الجزائرية في الاستعراب الفرنسي" كما أنجز عدد من الكتب منها" أصول اللغة العربية العامية والفصحى" للفرنسي de savarie، وبحث" لغة نجد الحالية لهيس hess و" في لغة الجزائر" لهوداس و " في العربية ولهجاتها" للاندبرج. أما اللهجات المغربية فقد حظيت هي أيضا بدراسات أرجعها كانتينو الى القرن19م، وبالضبط الى الباحثين الألمان والفرسيين والاسبان، ولكنها لم تكن دراسات كاملة لأنها كانت مسخرة لتعليم العسكريين والمدنيين الذين استقروا في المغرب. ويمكن تقسيمها الى قسمين:
-    قسم اهتم باللهجات المغربية عموما، ومنها دراسة هاريس the phonemes of Moroccan Arabic ودراسة كانتيونو reflexion sur la phonologie de l’arabe Marocaine و وليام مارسي textes arab de tanger .
-    قسم اهتم باللهجات المحلية، خاصة عمل ليفي بروفنصال "نصوص عربية ورغة: لهجات جبالة" وكولن colin" ملاحظات حول اللهجة العربية لشمال منطقة تازة.
وقد تابع المستشرقون عدد من اللغويين العرب أهمهم ابراهيم أنيس" في اللهجات العربية" الذي درس لهجة القاهرة، وتمام حسان الذي درس لهجة عدن، وزاد هذا الاهتمام بعد قرار المجامع اللغوية العربية انجاز دراسات علمية للهجات العربية الحديثة، وقرار مجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة 1955 الداعي الى الاهتمام باللهجات خدمة الفصحى والبحث العلمي اللغوي.
أما الدراسات المغربية الخالصة فقد انطلقت مع هيمنة الدرس اللساني المعاصر في الجامعات المغربية نخص بالذكر كتاب "فونولوجيا ومورفولوجيا الفاسية القديمة" لعبد العزيز حليلي  وكتاب " قضايا لسانية: اللهجة البيضاوية" لأمينة أفنان. والملاحظ أن أغلب هذه الدراسات اتخذت مناهج تزامنية، وأهملت الدراسات التعاقبية التاريخية، باستثناء بعض الدراسات القليلة مثل كتاب محمد الحلوي" الفصحى في العامية المغربية" الذي لا يمكن اعتباره بأية حال من الأحوال دراسة لسانية، بسبب غلبة الانطباعية( فلا يحدد مصادره المعجمية) وفقر مادته ( حوالي 781مدخلا) وعدم تحديده للمتن اللغوي ( شملت الدراسة كل اللهجات العربية المغربية).
أما الكتاب الحالي فهو بحق يشكل انعطافا بمعنى الكلمة للدراسات اللسانية التاريخية في المغرب لأنه يصدر عن وعي جديد. فالمعروف أن الدراسات اللسانية في العالم العربي لم تظهر لحاجة ملحة، بل لمسايرة المدارس الغربية، ولهذا لم تستطع بناء نماذج شاملة للغة العربية، وهذا ما يفسر استمرار هيمنة سبويه على المشهد النحوي العربي. فما زالت القواعد هي نفسها، ولا يتغير الا نوع الورق وشكل الكتب.
أما هذا الكتاب فقد نبه الى ضرورة الاهتمام بالدراسات التاريخية للهجات العربية لأغراض عملية. صحيح أن بعض المؤسسات بدأت تهتم بهذا النوع من الدراسات، لكن الكتاب الحالي لا يكتفي بالتنظير، بل يقدم نموذجا ملموسا للنتائج التي يمكن أن يصل اليها مثل هذا النوع من الدراسات، وأهمها في نظري الخدمة الجليلة التي تقدمها هذه الدراسة للغة العربية من جانبين:
1-    اغناء المعجم العربي المعاصر بكلمات نُسي أصلها الفصيح رغم دقتها التعبيرية، أو بكلمات التي أبدعتها اللهجات، على الأقل تلكم الكلمات المصاغة وفق قواعد الصرف العربي.
2-    اصلاح درس العربية  في المدرسة العربية العربية، وخاصة في السنوات الأولى بادراج كلمات صفيحة قريبة من الدارجة التي يستعملها الطفل في بيته حتى لا تحصل له صدمة اللقاء الأول. فلماذا يستعمل المدرس المغربي مثلا كلمة "ذهب" دون "مشى" و"سقط" دون "طاح" و"الأطفال" دون "العيال" و"قبيح" دون "خائب" و"صلب" دون "قاسح" و"أزعجتني" دون "صدعت رأسي" و"مملوء" دون "عامر" رغم أنّ كل هذه الكلمات فصيحة ومستعملة في الدارجة.
بالاضافة الى هذا، يتميز الكتاب ببنائه المحكم ومعماره المتقن، حيث تتعالق الفصول وتترابط في نسق متقن. هكذا ينتقل  الباحث متدرجا من تاريخ العربية القديم، مرورا الى وضعيتها في العصر الأموي والعباسي، وصولا الى انتشارها في رقعة العالم الاسلامي الواسعة، شارحا بدقة أسباب ظهور اللهجات متتبعا ما قاله الدارسون والباحثون في هذا المجال، وصولا الى أصول اللهجات العربية المغربية وأنواعها، واقفا بتفصيل عند اللهجة الجبيلة، ذاكرا أهم التحولات الصوتية  والدلالية التي أصابت الكلمات الفصيحة، قبل أن يعرض بنوع من التفصيل لمادته المعجمية. لكن ما يميز الأستاذ عبد اللطيف الوهابي هو أنه من صنف الباحثين الذين لا يكتفون بالمشهور من الأقوال، بل يحاول جاهدا تجاوز المألوف وتقديم المبتكر الجديد، وهي صفات لا يملكها الا من تمرس بالبحث العلمي و وطن نفسه على كد الذهن واتعاب الجسد خدمة للحقيقة العلمية. فنجده مثلا يخالف الشائع في أصل كلمة جبالة حيث يميل الى ارجاع هذه التسمية الى منطقة "جبلة" في الشام التي قدم منها عدد من الفاتحين العرب.
يمتز الكتاب بمسألتين أساسيتن هما الاستقصاء والشمولية، وهذا ظاهر من خلال وقوفه عند التحولات الصوتية التي أصابت الكلمات الفصيحة في اللهجة الجبلية، كترك الاعراب وغمط الحركات والابدال والزيادة والترخيم... وكذا التحولات الدلالية التي مست النسق الفصيح كتضييق المعنى وتوسيعة وانتقاله واستعمال اللفظ في غير معناه الفصيح أو العكس... وكثيرا ما تأمل كلمات قلما ننتبه اليها فجاء بالطريف والعجيب في هذا المجال منها كلمة ( وخّ أي توخّى وبش أي بشأن) أما الشمولية فتتجلى في محاولة الكاتب تأثيل معجم كل المجالات التي تستعمل فيها جبلية بني عروس من النبات والأعشاب والأشجار والمناخ الى الحياة الدينية والاجتماعية والاقتصاد والتجارة والنظافة واللباس الى الجسد وأعضائه ومن عالم الحيوان والمطبخ الى معجم الضرب والشتم والشجار والخصومة ثم الى عالم الأمراض طرق العلاج.
راهنية الموضوع وأهميته:
يأتي الكتاب في سياق ارتفاع الأصوات المنادية بتدريس اللهجات والدوارج وارتفاع أصوات تريد أن تختزل المغرب المتعدد  الثقافات في أنموذج واحد يحكمه نزوع عرقي مدعم بخطاب أكاديمي ، ليؤكد على التقارب الكبير بين اللهجة والفصحى، وأنّ ما يعتبر معجما دارجا ما هو في أغلب الأحيان الا كلمات فصيحة نُسي أصلها لما طرأ عليها من تغيرات، أو أُهمل استعمالها في العربية المعاصرة. كما يأتي في سياق الحديث عن اصلاح التعليم، و روح هذا الكتاب تشير الى ضرورة  الاستفادة من الدارجة في اصلاح درس العربية باقحام كلمات ذات أصول فصيحة قريبة من بيئة التلميذ ومحيطه الاجتماعي  مما يساعده على الاندماج السريع  واغناء الرصيد اللغوي. كما تكمن أهمية الكتاب في كونه يدفعنا الى اعادة نظر في موقفنا من الدارجة واعتبارها مجالا خصبا للابداع اللغوي. فلماذا تستعير وتقترض العربية من اللغات الأجنبية ولا تقترض الكلمات التي أبدعتها بناتها من مختلف اللهجات العربية ؟ ألم يحن الوقت لادماج كلمات "الهيشر واللوي والنقلة والرجلة والغرسة والشطابة والرفيذة والتلقيم والغذان والجمار والبحيرة والتسهيل والتقريع والزريعة والرجمة والعروم والمطمورة والحدورة والغيطة والهوتة والتشويل والتفريق والتنشير والشرط والنوبة والسلكة والتحريرة والمرشوم واللقاط والعمارية....  الى غير ذلك من آلاف الكلمات التي أبدعها جبالة عبر التاريخ. مع العلم أن أغلب هذه الكلمات مصاغة وفق قواعد الصرف العربي.  ألم يقل النحاة قديما ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب؟ و لنتخيل السيل الهائل من الكلمات التي ستنضاف الى المعجم العربي الذي يتهم بالنقص فيما يخص الحياة اليومية، لو درست كل اللهجات العربية بنفس هذا  المنهاج.
يفتح الكتاب أيضا آفاقا واسعة لدراسة لهجات أخرى من مناطق مختلفة للوقوف على هذا الغنى الكبير الذي تزخر به اللهجات، كما يفتح الباب على علوم أخرى وخاصة اللسانيات الاجتماعية. فقد وقفت على ما يقارب 133 وصفا ونعتا قبيحا للمرأة والرجل. ألا يشكل هذا مادة خصبة للدراسات السوسيولسانية والاجتماعية معا؟؟
يعيد هذه الكتاب الاعتبار للسانيات التاريخية التي يمكن أن تحقق نتائج على مستوى تحسين وتبسيط النحو العربي. فقد بدا لي وأنا أتمعن بنية التصريف أن  العربية القديمة كانت تؤخر الضمير للدلالة على الماضي "ضرب أنا" و تقدمه اذا أرادت الدلالة على الحاضر "أنا ضرب" التي تحولت الى "أضرب" بعد سقوط النون، وهذا يدفعنا الى اعادة النظر في ادعاء النحاة أن الفاعل في مثل هذه الصيغ ضمير مستتر وجوبا. الا يكفي اعتبار "أ" هي الدالة على الفاعل وبالتالي لا وجود لمستتر على الاطلاق.
ان هذا الكتاب سيصبح  بلا شك مرجعا للباحثين في هذا المجال ونبراسا تهتدي به الأجيال القادمة لتطوير اللغة العربية و اغناء معجمها.

ليست هناك تعليقات: