.

2016/03/08

ظاهرة الأضداد في العربية بين التوسُّع وتداخل اللهجات

من بين الظواهر البارزة في اللغة العربية ظاهرة الأضداد، والضد هو اللفظ المستعمل في معنيين متناقضين، فهو قسم من "المشترك" المعروف عند الأصوليين (وهو اللفظ المستعمل في معنيين مختلفين) لكنه أخص منه، وذلك مثل لفظ "جَلَل" الذي يأتي بمعنى العظيم ويأتي بمعنى اليسير، و"القرء" للحيض والطهر، و"القشيب" للثوب الجديد والخلِق، بل إن لفظ "الضد" نفسه معدود من الأضداد فإلى جانب معناه المعروف يأتي أيضا بمعنى النظير والمثل، إلى غير ذلك...


وقد ألف في الأضداد جماعة من أئمة العربية منهم: الأصمعي و أبو عبيد القاسم بن سلام، وقطرب وعبد الواحد اللغوي وابن السكيت وابن الأنباري (طبع كتابه في مصر 1325هـ بتحقيق وعناية العلامة أحمد بن الأمين الشنقيطي صاحب الوسيط)، ومن من ألف في الأضداد من أهل بلدنا: العلامة اللغوي محمدُّ سالم بن الشين الحسني (1387هـ )، له نظم في الأضداد، ومحمد محمود بن الشيخ أحمد الجكني (توفي حوالي 1370هـ )، له قصيدة جمع فيها ما ذكره الفيروزآبادي في القاموس من الأضداد.

وقد شغل تفسير هذه الظاهر وتعليلها بال علماء اللغة، وأكثرهم على تعليل ذلك باتساع العرب في الكلام وكثرة المجاز والنقل في لغتهم، وما يقع بين اللهجات العربية من اختلاف في دلالة الألفاظ، يعقبه تزاوج واختلاط ينتج عنه مثل هذا الاشتراك والتضاد. فمثلا يكون "الجلل" بمعنى العظيم عند قوم من العرب، ويكون بمعنى الحقير عند آخرين، ثم يتجاور أهل اللغتين فيتعايش الضد مع ضده ويحتفظ كلٌ منهما بسياقه ومرشحاته، ولا يقع بينهما لبس ولا اختلاط.

وقد مرت بي أمثلة حية من اللغة القديمة والحديثة تبيِّن بعض أسباب هذه الظاهرة، وكيفية نشأتها، فأردت مشاركتها في هذه التدوينة المتواضعة.

فمن ذلك أن "المسعاة": المَكرمة والتفوق في المجد والجود، فإذا قابلناها بـ"السعاية"، المشي بالنميمة، وجدنا ما بين اللفظين يقرب من التضاد، مع أن المادة التي اشتقا منها واحدة، والقدر المشترك بين فروع تلك المادة كامن في كل منهما، وهو السعي والقصد، ولكن توسع العرب في الكلام وكثرة الصيغ في اللغة الشريفة جعل بينهما برزخا وحاجزا منيعا.

ومنها أيضا "السليم" وهو اللديغ والجريح المنهَك، وقد سماه العرب بذلك تفاؤلا له بالسلامة والنجاة، فصارت النسبة بينه وبين "السليم" بمعناه الأصلي من هذا القبيل، قال النابغة:

فبتُّ كأني ساورتني ضيئلةٌ *** من الرُّقْشِ، في أنيابِها السُّمُّ ناقِعُ
يُسَهَّدُ، من لَيلِ التّمامِ، سَليمُها *** لحليِ النساءِ، في يديهِ، قعاقعُ

ومثل هذا تسمية الأعمى بالبصير على سبيل التفاؤل، كما في حديث جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى الْبَصِيرِ الَّذِي فِي بَنِي وَاقِفٍ نَعُودُهُ وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى". (أخرجه البيهقي في شعب الإيمان رقم 8761 ) قال أبو عبيد : يريد به المؤمن قال ابن سيده: وعندي أنه عليه السلام إنما ذهب إلى التفاؤل إلى لفظ البصر أحسن من لفظ الأعمى (لسان العرب مادة ب ص ر). وهذا الذي أشار إليه ابن سيدَهْ مستعمل في لهجتنا الحسانية، فإنها تدعو الأعمى "بصيرا" ومتبصرا"، وكذلك في اللهجة المغربية. ومن هذا القبيل تسمية الأعمى بـ"الشواف"، في الحسانية، وممن سمي بذلك سيدي أحمد الملقب الشواف بن حبيب الله الحاجي الوداني (توفي سنة 1140هـ) وكان ضريرا كما ذكر مترجموه قال أحمد بن موسى بن إيجل التشيتي في تذييله للفشتالية:

ومثلهما الشيخ الوداني أحمدٌ *** الإمام الضرير ذو السنا المتهلل

ومن الأمثلة التي أشرتُ إليها أيضا: "الاستعمار" فهو في اللغة: المبالغة في الإعمار كما قال تعلى: {قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} فالسين والتاء فيه للمبالغة أو الطلب.

وفي العصر الحديث أطلق الغربيون "الاستعمار" على احتلالهم لبلاد الشعوب المستضعفة، واغتصابهم لها، وذلك بغية تحسين الوجه القبيح لهذا الاحتلال، وكـأنه إنقاذ وعمران!، وما دروا أن هذه اللغة الشريفة عصية على التطويع، بعيدةٌ عن الجمود، فسرعان ما أصبحت كلمة "الاستعمار"، ذات دلالة بغيضة، توحي بالظلم والخراب والاستعباد، على عكس ما أريد لها، فارتبطت دلالتها بتلك الصفات القبيحة المرتبطة بالاحتلال، حتى كادت دلالتها الأصلية أن تختفي من القاموس اللغوي المعاصر في الكتابة والحديث العادي، وهذا من شرف هذه اللغة الشريفة وكرمها، فهي لا تخضع للتطويع ولا تساعد على الخداع !!!

ولا مراء في تأثير اختلاف اللهجات العربية في هذا الباب، ومن أمثلة ذلك الحكاية التي يذكرونها عن ملك من ملوك حمير في أنه دخل عليه رجل من العرب مدينة ظِفار باليمن، فقال له الملك: ثب، أي: اقعد بلغة حمير، فوثب فتكسر، فقال: "ليس عندنا عربيت ْكعربيتكم من دخل ظفار حمر" أي: تكلم بالحميرية... وعربيت: يريد العربية فوقف على الهاء بالتاء وكذلك لغتهم (تاج العروس للزبيدي مادة و ث ب)، والوثوب في لغة غير حمير من العرب: الحركة والاضطراب . ومن الواضح أن اختلاف اللهجات قد أثر في استعمال هذا اللفظ لمعنيين متضادين، ففي مرحلة معينة كان هناك تمايز بين اللهجتين، ثم إنهما تزاوجتا ووقع ببينهما تداخل، ونجد أثر ذلك في قول أمية بن أبي الصلت:

بإذن الله فاشتدت قواهم *** على ملكين وهي لهم وِثاب

فالوثاب هنا: المقعد يعني أن السماء مقاعد للملائكة (تاج العروس مادة: وث ب)، وهو مشتق من معنى الوثوب في الحميرية، أي: القعود، وهكذا تسلل المعنى الحميري لهذه الكلمة إلى اللهجات العربية الأخرى كما رأينا.

هذه أمثلة تعين على فهم تكون هذه الظاهرة ونشأتها، وهي غيض من فيض...


http://www.alakhbar.info/index/cult/12533-2015-11-11-12-56-40.html 

ليست هناك تعليقات: