.

2016/03/12

قراءة موجزة في فتاوى كبار الكتاب في مستقبل اللغة العربية

أ. علي أحمد عبده قاسم

تشكل اللغة العربية اليوم واحدة الهموم الثقافية العربية نتيجة للتطور التكنولوجي السريع، والذي حول العالم إلى قرية صغيرة كما يتردد، فضلاً عن التنافس الحضاري في مجال التعليم، ومحاولة الدول المتقدمة فرض سيطرتها من خلال لغتها على الأمم الأخرى الضعيفة، فكان من الضروري على الدول العربية
والشريحة المثقفة أن تقف في مراجعات كبيرة تجاه لغتها وتتساءل عن موقعها من العصر، من خلال الاهتمام باللغة والتلاقح الحضاري الذي يتأتى بواسطة اللغة، بوصف ذلك مؤشراً من مؤشرات التقدم والتنافس والمزاحمة، مما يعكس المستوى المزاحم للجنس العربي عموماً.
وكنت أقرأ في كتاب مجلة الدوحة والذي خصص لرؤى كثير من الكتاب حول مستقبل اللغة العربية وقراءتهم لمستقبلها، وكان بعنوان "فتاوى كبار الكتاب والأدباء في مستقبل اللغة العربية"، ومن خلال القراءة يمكن أن يلخص ذلك الاستفتاء.
ومن خلال تلك القراءة يمكن أن أستهل تلكم القراءة للكتاب قراءة صورة العامية وأثرها في الفصحى، ولعل أهمها: إيجاد لغة كتابية موحدة تقترب من الجمهور، وهذا ما أكده المستشرق الإيطالي جويدي، حيث يقول "يجب أن تكون هناك لغة كتابية موحدة وسهلة يفهمها الجمهور العربي وتكون مستقلة عن اللهجات العامية"، وأظن أن هذه الميزة متحققة في الواقع العربي الصحفي، باعتبار أن لغة النخبة التي تحدث عنها متواجدة أيضاً، "أما التعبير الخيالي فيجب أن يخصص للكتب ذات الصفة الأدبية الصرفة"، ويقول جبران خليل جبران في مقال له في الكتاب، وكأنه يجب عن الإيطالي جويدي "لأننا بفعل التنشئة التي قُومت عليه نفوسنا أصبحنا نستغني عن كثير من الفضول… في الفواتح والخواتم ونتخير للمقام من المعاني والألفاظ كل ما يتساوق معه"، وبذلك ابتعدت اللغة أو اللهجنة من لغة الكتابة إلا في بعض المقالات الساخرة أو بعض الكلمات النادرة التي تقوي من لغة الكتابة ولا تضعف ويأتي ذلك في المقالات الصحفية، ولعل اللهجة والعامية في رأي جبران هي عاملٌ من عوامل المحافظة على الفصحى والعناية بها خوفاً من استفحال وسيطرة العامية عليها "اللغات العامية ستبقى ما بقى الزمان والمكان، وإذا كانت الدولة العربية لم تتوحد فلن تتوحد إلا اللغات العربية كلها إلا بالفصحى، ومن ثم سيكون أكبر سبب للعناية باللغة الفصحى هو اختلاف اللهجات العامية العربية".
ويؤكد ذلك الكاتب جبر ضومط، حيث يقول "إن العامية لغة الرعاع والسوقة بينما اللغة الفصحى هي لغة المتعلمين والمعلمين والمدارس والجرائد والكتب".
ولعل الكاتب سعيد بنكراد حيث يقول "هناك خطر يمثله التلهيج المتزايد للحياة العامة والخاصة؛ لأنه يقلص من الطاقة التعبيرية للغة العربية، ويأتي من بعض الرؤى التي لها تبعية ثقافية صريحة أو ضمنية أو يأتي في الغالب الأعم من الأمية وانتشار في الشعور العربية.
ومن بعض الآراء التي انشغلت بالعامية واللهجات العربية إلا أن جميع الآراء أجمعت على اللهجة العامية ليست لغة كتابة ولا يمكن أن تكون كذلك إلا من بعض الرؤى المتطرفة التي لها تبعية ثقافية، وبذلك هي في منأى اللغة العربية الفصحى والواقع الفكري العربي.
أما المحور الثاني من الاستفتاء، فقد انشغل بالعوامل والمظاهر لقوة اللغة، ولعل أهم ا"لأسباب التي ستؤدي إلى تطور اللغة العربية وقوتها الأحداث السياسية كالحربين العالميتين باعتبار ذلك سيؤدي إلى مدنية ونهوض، حيث يقول رتشارد كوتهيل المستشرق الأمريكي "مما لا ريب فيه أن الانقلابات الناجمة عن الحرب الكبرى سيؤدي إلى تقريب الجنس العربي وتكوين ما نسميه "مدينة"، وإن اللسان العربي والآداب العربية ستحتفظ بكيانها في المستقبل كما احتفظت به في الماضي"، ويقول جويدي "لا ريب أن الامتيازات العظيمة التي حصل عليها العرب من جراء حوادث السنوات الأخيرة سيكون لها تأثير شديد في اللغة العربية".
ولعل المستشرقين يرغبان في التلاحق الفكري من خلال الترجمة وإدخال المصطلحات الجديدة التي يمكن للغة استيعابها بوصفها واسعة وثرية، ولعل جبران خليل يقرب هذا الجانب، وقد قرُب اليوم الذي يستطاع فيه وجود الكل من الاصطلاحات العربية المعربة بأحكام ومهارة لتلقين ضروب العلوم بلسان الضاد".
ويقول عالم اللغة العربية (مستهل) "إن تأثير التمدن الأوربي وروحه الغربي فيها من أحسن ما يمكن، وذلك لأن امتزاج الواحد بالآخر تنشأ حياة جديدة شبيهة بحياة شجرة قديمة أخرجت شطاً حديثاً، مركب عليه من غصن شجرة أخرى غضة، فتولد من التركيب شجرة جديد الماء والاهاب والحياة".
وإذا كان أنطون حداد يؤكد أن التلاقح الحضاري سيؤدي قيام اللغة بدورها الحضاري باعتبار أن الامتزاج الحضاري ضرورة حياتية وفائدة حضارية "وليس ما يؤسف له إذا عرفنا كيف نستفيد من الأقوام التي تختلط بها، فإن العصر الذي أقبل فيه كتاب العرب على نقل مؤلفات اليونان والرومان والفرس كان العصر الذهبي للآداب العربية".
ولا يخالف الكتاب في ضرورة الاتصال بالآخر لعامل قوة اللغة العربية، باعتبار الآخر هو صاحب الحضارة الحديثة، ولا يمكن للدول العربية أن توجد مدنية موازية لها على الأقل في الوقت الحاضر، حيث يقول جبر ضومط "إن التمدن الأوربي هو تسلط أدبي سياسي حساً، مما يفضي إلى إقبال المغلوبين على آداب الغالبين ولغتهم وإهمال آدابهم ولغتهم الوطنية وعلى نسبة تسلط الغرب ومد نفوذه وبذلك تتراجع اللغة العربية"، إلا أنه يتفاءل بمستقبل اللغة العربية، "لاشك أن جهاد العربية والروح العربية في المستقبل سيكون شديداً".
أما المحور الثالث، فقد انشغل بعوامل قوة اللغة وسبل تطويرها، ولعل أهمها هو التعليم وتوسيع دائرة التعلم للغة، وذلك من خلال تأسيس المدارس ورفدها بالمال والمعلمين، حيث يقول جبر ضومط "إن أفضل وسيلة لمقاومة الضعف اللغوي العربي هو اعتماد المدارس الابتدائية واختيار أفاضل المعلمين لها وإشباعهم وإكرامهم لأنهم يخدمون خدمة وطنية ويضحون بحياتهم في سبيلها".
ويقول مستهل "خير الوسائل لإحياء اللغة العربية هي المدارس والمطبوعات بأنواعها وتشجيع المؤلفين بجوائز تعطى لهم وحمل أهل العقد والحل على البث والنشر وإن أمكن عقد مجمع لغوي مؤلف أعضائه من علماء الديار العربية"، ويقول مصطفى صادق الرافعي "إن خير الوسائل لإحياء اللغة العربية إصلاح تعليم اللغة العربية وآدابها، ونبذ الدفاتر الغثة التي يدرسون فيها والرجوع إلى طريقة الرواة المتقدمين مما يجمع بين الفن والأدب واللغة والبلاغة"، ويؤكد على أهمية المجامع اللغوية، حيث يقول "إنشاء المجمع العلمي العربي على أن يكون كمجامع أوربا وعلى أن يعمل علمها".
ويقول جبران "أما خير الوسائل لإحياء اللغة العربية تعدد المدارس التي تعنى بها ورعاية الحكومات أو الجماعات ذات الحول والطول"، ويقول عيسى المعلوف "إن تعميم اللغة العربية في المدارس العليا وغيرها وتعليم جميع العلوم بها يتوقف على مضافرة الحكومة وتذليل الصعاب المعترضة في سبيل ذلك وليس أفضل من المجامع اللغوية في كل قطر، وتتحد برأي واحد على الأوضاع في المعربات والمنقولات والمؤلفات". ويقول محمد كرد علي "وخير وسيلة لإحياء اللغة العربية نشر جميع ما خلفه علماء العرب وأدباؤهم من القرن الثاني إلى التاسع والعاشر للهجرة وتعليم جميع العلوم العربية في المدارس وبث الكتب النافعة بين طبقات الأمة".
ويقول ريتشارد كوتهيل "وليس من وسيلة لإشعال النور الذي سطع في الأيام الغابرة وجعل الشعوب الناطقة بالضاد خلفاً صالحاً لأسلافهم العظام وأفضل درس تاريخ الأدباء وآداب الأجداد".
أما المحور الرابع فقد انشغل بدور الدولة والحكومة ورجال الفكر، حيث يقول الأب لامنس "إني أثق بمستقبل حسن للغة العربية على شرط أن يتولى الحكم في البلاد العربية رجال ذوو نظر بعيد وأفكار واسعة ووطنية رحبة يقتنعون بأن مستقبل لغتهم يتوقف على الاتحاد الوثيق بالمدنية". ويقول خليل مطران "ما تبذله مصر والشام من المجهودات في سبيل إحياء اللغة العربية أن يكون مستقبلها زاهياً وزاهراً"، ولأن اللغة من القواسم المشتركة العربية في الوحدة فإن عيسى المعلوف يقول "ولأن اللغة العربية من الروابط السياسية الوثيقة العرى فتنهض بنهضة الحكومة باعتبار أن التطور السياسي الحاضر في الأقطار العربية باعثاً على رفع منار اللغة وتجديد نهضتها".
ولعل الرافعي يؤكد أن ضعف اللغة مرتبط بالجانب السياسي وقوتها مثل ذلك حتى في المحن والأحداث "هذه المحن هي فضائل السياسة، فتلك نهضة العربية نفسها وإن ضعفوا فذلك ضعفها"، ويقول مستهل "تشجيع المؤلفين بجوائز تعطى لهم أو يخصصها لهم أكارم العرب وأجاويدهم".
ويتوقف المستقبل المضيء للغة على استمرارية الفكر الإبداعي في الأمة، فهذا خليل مطران يقول "مستقبل اللغة العربية يتوقف على مستقبل الفكر المبدع الكائن أو غير الكائن في الأمة فإن كان ذلك الفكر موجوداً كان مستقبل اللغة عظيماً كماضيها".
ويقول أنطون الجميل "يرتبط مستقبل اللغة ارتباطاً وثيقاً بالمستقبل السياسي والعمراني للأقوام الذين يتكلمون بها أما من الوجهة السياسية فمعروف أن لا قيام للغة إلا بقيام دولة تؤيدها وتأخذ بناصرها وعلى قدر ما يكون نفوذ الدولة وبسطة أملاكها ينمو عمرانها بين الدول".
ولعل الحرية والاستقلال للدولة سيؤدي إلى قوة اللغة، وهذا ما يؤكده نقولا حداد حيث يقول "استقلال الأمة سيؤدي إلى استقلال التعليم واستقلال التعليم سيؤدي إلى استعمال اللغة الوطنية، فحياة الأمة متوقفة على إحياء الأمة بروح الحرية والاستقلال".
ويقول إبراهيم حلمي "اللغة العربية تحيا بحياة العرب، وتموت بموتهم، وتتقدم بتقدمهم، وتزهو بزهوهم، وتعلو بعلائهم، وهذا ما جرت عليه اليونانية واللاتينية"، ويضيف أن الأدباء والكتاب هو القوة الدافعة إلى الأمام باللغة والنهوض "إن هؤلاء الأدباء هم القوة الدافعة بنا إلى الأمام وهم قوة أدبية كرى دافعة بنا إلى انقلاب عظيم بما ينقلونه من أساليب التفكير وطرائق التعبير التي ابتكرها فحول كتاب العرب".
وإن كانت هذه الآراء لكتاب في عشرينيات القرن الماضي، إلا أنها مازالت دستوراً لهذا الزمن الذي لم يحقق من آراء كتاب العشرينيات إلا القليل، ولو نظرنا للمجامع اللغوية العربية فإنها نادرة قليلة، لعل أبرزها المجمع اللغوي العربي بالقاهرة، وما يزال التعليم للغة العربية مستوى متدنٍ جداً لا يرقى للأحلام والغايات، فما تزال رؤى الأمس هي رؤى اليوم مما يعكس صورة قاتمة للتقدم العربي التعليمي عموماً، والسياسي خصوصاً.

ليست هناك تعليقات: