.

2017/08/02

اللهجات الباقية في عصرنا الحاضر ذات أصول عربية معروفة.




بقلم : أ. د. سليمان بن إبراهيم العايد

أستاذ اللغويات ورئيس قسم الدراسات
العليا العربية ـ جامعة أم القرى.


يشيع في بعض لهجات الجزيرة في العصر الحاضر ظواهر صوتية، تختلف من بلد إلى بلد، ومن منطقة إلى منطقة، ومن قبيلة إلى قبيلة.

ومن ظواهر ما يكون له أصل في لغات العرب القديمة، التي سجلها الرواة وحفظها علماء اللغة، وبنيت عليها قواعد العربية وأحكامها.

ومنه إبدال حرف مكان حرف، كإبدال الجيم ياء، أو إبدال
الياء جيما. أما إبدال الجيم ياء في العربية المعاصرة فشائع ذائع في مناطق من الخليج العربي، وشرق الجزيرة، وهو ظاهرة مميزة في بعض اللهجات كلهجة الكويت، ولهجة بعض قرى أو بلدان قرب الرياض، يجعلون الجيم ياء، وفي دجاجة : دياية، وفي الجامع : اليامع، حتى يصل الأمر بالغريب عنهم أن لا يتمارى في أنهم نطقوا ياء خالصة صريحة.

كما أن هناك كلمة تشيع في بلاد العرب، هي بالجيم، ويغلب نطقها بالياء، ثم يختلفون فيها بعد ذلك، ففي مناطق من نجد نجد الناس (كبار السن) يقولون للمسجد : مسيد، بفتح الميم وإسكان السين وكسر الياء، واقتصروا على إبداء الجيم ياء كما تجد هذه الكلمة في المناطق القريبة من مكة تصير إلى مسيد بكسر الميم والسن وإسكان الياء، فهم نقلوا حركة الياء (الكسرة) إلى السين، ثم اتبعوا الميم السين فحركوها حركتها (الكسر) فتوالت كسرتان ثم ياء.

فالأولون كأنهم لم يعتدوا بالياء العارضة (الطارئة) فلم تأخذ أحكام الياء التي تقع هذا الموقع، لأنه يتعين في هذا الموضع أن يحصل في الكلمة إعلال بالنقل، وهو نقل حركة الحرف المعتل إلى الصحيح الساكن قبله، فتصير مسيد.

وأما الآخرون فإنهم اعتدوها كالأصلية فقدروا لها الأحكام التي تجري عليها، ومما يجري عليها الإعلال بالنقل، نقلت حركة الياء إلى السين وهي الكسرة، ثم اتبعت الميم السين، فصارت مسيد، فعوملت الياء كأنها أصلية غير عارضة، لم ينظر إلى وضعها السابق.

وهذا التصرف قريب مما ذكره ابن جني في شجرة، وأن بعض العرب يقول شيرة، بكسر الشين وفتح الياء. قال أبو زيد : كنا عند المفضل وعنده أعراب، فقلت : قل لهم : يقولون : "شيرة"، فقالوها، فقلت : قل لهم : يصغرونها، فصغروها "شُيَيْرة"(1).

وقد ذهب ابن جني إلى أن الياء ليست بدلا من الجيم، وينبغي أن تكون أصلا لأمرين :

1) لبقائها في التصغير، ومن المعروف أن التصغير يرد الأشياء إلى أصولها.

2) تغير حركة الشين، والبدل لا تغير فيه الحركات، إنما يوقع حرف موقع حرف، ويبقى سائر الكلمة دون تغيير(2).

وقد ذهب غير ابن جني إلى غير هذا، جاء في اللسان : "وقالوا : شيرة، فأبدلوا، فإما أن يكون على لغة من قال : شجرة، وإما أن تكون الكسرة لمجاورتها الياء، قال : (تحسبه بين الأكام شيرة)(3)".

وهذا القول أولى، لأن العرب تقول: شجرة، وشجرة بفتح الشين وكسرها، فتكون شيرة لغة في مكسور الشين .

وقرئ في قوله تعالى : (ولا تقربا هذه الشجرة) الشجرة، بكسر الشين،وقرئ أيضا (الشيرة) بكسر الشين والياء المفتوحة بعدها(4).

وقد ورد إبدال الياء جيما إذا كانت طرفا، فقالوا : "ديجوج ودياج" وأصله "دياجيج" فأبدلت الجيم الآخرة ياء، وحذفت الياء قبلها تخفيفا(5).

الديجوج : الليلة المظلمة، جمعها : دياجيج، ودياج، واصله : جياجيج . فخففوه بحذف الجيم الأخيرة، قال ابن سيده : التعليل لابن جني(6). والذي في سر صناعة يختلف عما نسبه إليه ابن سيده، إذا فيه "ديجوج زدياج"، وأصله : دياجيج، فأبدلت الجيم الآخرة ياء، وحذفت الياء قبلها تخفيفا(7).

وظاهر نصه أن الحذف وقع بعد قلب الجيم ياء، خففت الكلمة (صيغة منتهى الجموع) بحذف المد الذي قبل آخره، وهو جائز قياسا عند الكوفيين، ويمنعه البصريون إلا في الضرورة(8)، ثم عومل معاملة جوار، ولم يعتد بأصل الياء.

ويقال أيضا : "ليلة ديجور : مظلمة(9)". وهذا يحتمل أن تكون الراء قلبت ياء، من باب اللثغ أو التعاقب، وإن كان الذهاب إلى هذا فيه بعد.

وقد عني أهل اللغة بإبدال الجيم ياء، أو الياء جيما، وتعاوروا أمثلة كرروها، وقد ذكروا من أمثلة إبدال الجيم ياء ما رواه اللحياني فقال: "يقال : لا أفعل ذلك يدا الدهر، وجدا الدهر، أي آخر الدهر(10)"، ويدا:اسم مفرد على وزن رحا وعصا، غير محذوف اللام في (يد) حين نقول : يد الإنسان.

ومن ذلك ما رواه أبو زيد عن الكلابيين أنهم يقولون : هي الصهاريج، والواحد صهريج،وبنو تميم يقولون : صهاري، الواحد صهري(11)، وهذه الكلمة يمكن أن تأخذ أحكام المعرب(12).

ومنه ما تقدم في "شيرة" قال أبو حاتم : قلت لأم الهيثم : هل تبدل العرب الجيم ياء في شيء من الكلام؟ فقالت : نعم، ثم أنشدتني :

إذا لم يكن فيكن ظل ولا جنـىفأبعدكن الله من شيرات(13).

وأما العكس، وهو قلب الياء جيما فهو كثير وهو الذي يسمى أحيانا (عجعجة قضاعة)، وينسبونها إلى تميم، وتأتي في مواضع :

1 ـ ياء الإضافة، قال ابن فارس : وكذلك الياء التي تجعل جيما في النسبن يقولون: "غلامج" أي : "غلامي"، وهذه "دراج" أي "داري(15)".

وأنشد الفراء :

لا هم إن كنت قبلت حجتجفلا يزال شاحج يأتيـك بـج

يريد : حجتي، ويأتيك بي، وينزي وفرتي(16).

وقد عزا الفراء هذه اللغة إلى بني دُبير من بني أسد خاصة(17)، وقال أبو عمرو: وهم (يعني بني فقيم) يقلبون الياء الخفيفة أيضا إلى الجيم(18).

2 ـ الياء المشددة في آخر الكلمة سواء كانت للنسب أو لغيره، يقولون في بصري وكوفي: بصرج وكوفج، ومنه قول الراجز:

خالي عويف وأبو علج

المطعمان اللحم بالعشج

يكسر بالمر والصيصج

يريد : وأبو علي، وبالعشى، وفلق البرني، وبالصيصى، وهو قرون البقر، وزعم الفراء أنها لغة طيء، وأنشد :

نعمـا ولـدت رضـوىلـزبــان بـــن كـنــدج
وحوصاء ورألان اللــذي دلا عـلـى الـحـج

أراد: ابن كندي واللذي، يريد : اللذين دلا على الحج، أي : على الحي، أي بشرفهما نبها على حيهما(19).

وقال أبو عمرو بن العلاء : قلت لرجل من بني حنظلة: ممن أنت ؟ قال : فقمج، فقلت: من أيهم ؟ قال : مرج بريد: فقيمى ومري(20).

والياء المشددة إذا كانت لغير النسب في صيغة منتهى الجموع طرفا، وأبدلت جيما جاز حذف الياء الأولى، وتبقى الجيم غير مشددة.

قال ابن السكيت : "أنشد (لعله يعني الأصمعي)" لهميان بن قحافة السعدي:

يطير عنها الوبر الصهابجا

يريد : الصهابي، من الصهبة(21).

3 ـ الياء المشددة في وسط الكلمة، قال ابن السكيت : "وبعض العرب إذا شدد الياء جعلها جيما، وأنشد عن ابن الأعرابي :

كـــأن فـــي أذنـابـهـن الـشــولمن عبس الصيف قرون الأجل

يريد : الإِيل(22)".

وقد شرط بعض النحاة لإبدال الجيم ياء عند بعض بني تميم (وهم بنو فقيم) أن يكون ذلك في الوقف،واعترض عليهم بقول القائل:

خالي عويف وأبو علـجالمطعمان اللحم بالعشج
وبالـغـداة فـقـل البـرنـجيقلع بالـود وبالصيصـج

فقالوا : هذا من باب إجراء الوصل مجرى الوقف عند النحاة(23). وإنما فعلوا ذلك "الخفاء الياء، وقرب الجيم منها في المخرج، مع كونه أظهر من الياء(24)".

وقد عد ابن فارس إبدال الياء جيما من اللغات المذمومة(25)، ولم يتعرض لإبدال الجيم ياء.

وتعاقب الحرفين، أو إبدالهما يرجع إلى تشابه الحرفين في المخرج والصفة وقرب الخرجين من بعض اللسان وما يليه من الحنك الأعلى(26). والمقصود بالياء هنا غير المدية، وهي المتحركة مطلقا أو الساكنة بعد فتح كخير وشيء(27).

كما يتفقان في أكثر الصفات، إذا هما مجهوران منفتحان مستقلان وإن كانت الياء مستفلة جدا، ويفترقان في أن الجيم شديدة، والياء رخوة كما تنفر الجيم بأنها مقلقلة.

ومعنى هذا أن النفس يمتنع جريانه مع الصوت، فيكون فيها الجهر، وهو الإظهار، وينتج عن قوة التصويت بالحرف لقوة الاعتماد عليه في موضع خروجه(28)،واللسان لا ينطبق مع الريح إلى الحنك عند النطق بهما، ولا ينحصر الريح بين اللسان والحنك، بل ينفتح ما بينهما ويخرج الريح عند النطق بهما(29). وبعبارة أوضح ينفتح فيهما ما بين اللسان والحنك الأعلى عند النطق بهما (الجيم والياء) فلا ينحصر الصو بينهما (بين اللسان والحنك)، وهذه الصفة تقابل الإطباق(30)، وكلاهما ينخفض اللسان أو ينحط عن الحنك الأعلى عند النطق به، فينخفض معه الصوت إلى قاع الفم، وهو يقابل الإطباق.

ويختلفان في أن الجيم يلزم موضعه (من المخرج)، لقوة الاعتماد عليه في المخرج حتى يحبس الصوت عن الجريان معه، فتكون فيه شدة، وهي القوة.وأن الياء قد ضعف لزومها لموضعها (من المخرج) لضعف الاعتماد عليه في المخرج عند النطق به، حتى جرى معه الصوت، فكان فيه رخاوة : لين(31).

وانفردت الجيم بالقلقة، وهي ظهور صوت يشبه النبرة عند الوقوف عليه، وزيادة إتمام النطق به، والقلقلة صفة لا تمنع الإبدال، كما هو الحال بين التاء والطاء والباء والميم، والدال والتاء كما أن اختلاف الحرفين رخاوة وشدة لا يمنع الإبدال، مثل الذال والثاء تبدلان من التاء، والعكس.

وقد لمس أهل اللغة الأولون الصلة الوثيقة، والتقارب بين الحرفين وهو ما عبر عنه سيبويه في تعليل إبدال الجيم مكان الحرف الذي لا يثبت في كلام العجم، إذا وصلوا مثل كوسه، وموزه، وهي حروف تبدل وتحذف في كلام الفرس همزة مرة، وياء مرة أخرى، وهذا آخر لا يشبه أواخر كلامهم، فصار بمنزلة حرف ليس من حروفهم، فقال:

"أبدلوا الجيم، لأن الجيم قريبة من الياء، وهي من حروف البدل، والهاء قد تشبه الياء، ولأن الياء أيضا قد تقع آخرا، فلما كان كذلك أبدلوها منها، كما أبدلوها من الكاف، وجعلوا الجيم أولى، لأنها قد أبدلت من الحرف الأعجمي الذي بين الكاف والجيم، فكانوا عليها أمضى(32)".

وعلل إبدال الجيم مكان الياء فلي لغة بعض العرب بأن الياء خفية، والجيم بينة فقال: "وأما ناس من بني سعد(33) فإنهم يبدلون الجيم مكان الياء في الوقف لأنها خفية، فأبدلوا من موضعها أبين الحروف، وذلك قولهم: هذا تميمج ـ يريدون : تميمي، وهذا علمج، يريدون : علي. وسمعت بعضهم يقول : عربانج، يريد عرباني، وحدثني من سمعهم يقولون:

خالي عويف وأبو عليج

المطعمان اللحم بالعشج

وبالغداة فلق البرنج

يرد بالعشي والبرني: فزعم أنهم أنشدوا هكذا(34)."

وواضح أن سيبويه علل إبدالهم الياء جيما بالرغبة في الوقف على حرف أبين وأظهر، وهذه الصفة متحققة في الجيم التي تقرب من الياء في مخرجها وصفاتها، "قال ابن المستوفى : إنما اختص إبدال الجيم من الياء المشددة في الوقف ، لأن الياء تزداد خفاء في الوقف لسكونها، فأبدلوا منها حرفا أظهر منها، وهو الجيم، لقربهما في المخرج، واجتماعهما في الجهر، ومتى خرج هذا الإبدال عن هذين الشرطين، وهما الياء المشددة، والوقف، عدوه شاذاً(35)".


الجرودي غير متواجد حالياً      رد مع اقتباس
قديم 05-11-2008     #3

الجرودي


الصورة الرمزية الجرودي

تاريخ التسجيل: Sep 2007
الدولة: الخبر
المشاركات: 11,164
افتراضي رد: ابدال الجيــــــــــــــــم ..... يـــــــــــــاء
وقد جاوز الأمر هذا، فجاءت في اللغة كلمات بالجيم ولاياء، ومعناهما واحد، ومنه : "يقال : جصص فلان على القوم ويصص : إذا حمل عليهم(36)".

وقالوا : بعير أزيم وأزجم، في اللسان "بعير أزيم : لا يرغو، بعير أزيم وأسجم، وهو الذي لا يرغو، قال شمر : الذي سمعت بعير أزجم، بالزاي والجيم، قال : وليس بين الأزيم والأزجم إلا تحويل الياء جيما، وهي لغة في تميم معروفة، قال : وأنشدنا أبو جعفر الهذيمي، وكان عالماً ":

مـن كـل أزيـم شـائـك أنيـابـهومقصف بالهدر كيف يصول

ويروى : كم كل أزجم، قال أبو الهيثم : "والعرب تجعل الجيم مكان الياء، لأن مخرجيها من شجر الفم وشجر الفم الهواء، وخرق الفم الذي بين الحنكين(27)"

و " الجلايق واليلامق (بالجيم ولاياء) من الأقبية(38)".

وهذا يمكن أن تحمل على أنها من إبدال الجيم ياء أو إبدال الياء جيما وفقا لكثرة الاستعمال، أو الاشتقاق.

والجيم تتصرف العرب فيها، فينطقونها أحيانا بصورة ين القاف والكاف والجيم، وهي لغة سائرة في اليمن، مثل : "جمل" إذا اضطروا قالوا : "كمل(39)"، وهذه لغة ما زالت حية في بعض نواحي اليمن، وخاصة السواحل، والقاهرة. كما ينطقونها ياء، على نحو مما تقدم مفصلا.

ونسبة إبدال الياء جيما إلى بعض بني تميم من الأمور التي تحسن مراجعتها، على ضوء ما تقدم وثبت من النصوص،وهي تثبتها لغة القبائل أخرى، قال أبو زيد : "قال المفضل : أنشدني أبو الغول هذه الأبيات لبعض أهل اليمن:

با ري إن كنت قبلت حجَّتِج
فلا يزال شاحج يأتيك بج

أقمر نهات ينزي وفرتج(40)

فهي لغة يمانية.

كما سميت في موضع آخر "عجعجعة قضاعة"، وقضاعة قبيلة يمانية، على الأشهر من أقوال النسابين(41)، ونسبها الفراء إلى طي(42).كما نسب الفراء إبدال الياء المخففة جيما إلى بني دبير من بني أسد خاصة. وأطلق ابن السكيت القول، فقال:

بعض العرب إذا شدد الياء جعلها جيما، عن ابن الأعرابي :

كـــــأن فــــــي أذنــابــهــن الـــشـــولمن عبس الصيف قرون الأجَّل(44).

وعلى هذا يكون إبدال الياء جيما في الكلام لغة لبعض العرب من شماليين وجنوبيين، ولا يطرد وينضبط إلا عند بعض بني تميم في حال الوقف أو ما في حكمه بشرط التشديد عند بعضهم، وإن كنت لا لا أراه.

ولابن عصفور في إبدال الياء الخفيفة جيما مذهب خاص، إذ جعله ضرورة شعرية، فقال: "ومنها إبدالهم الجيم من الياء الخفيفة، نحو قول هميان بن قحافة :

يطير عنها الوبر الصهابجا

يريد : الصهابي، فحذف إحدى اليائين تخفيفا، وأبدل من الأخرى جيما لتتفق القوافي، وسهل ذلك كون الجيم والياء متقاربين في المخرج، ومثل ذلك قول الآخر، أنشده الفراء:

يا رب إن كنت قبلت حجتج … الأبيات"

يريد : حجتي، ويأتيك بي،وينزى وفرتي، فأبدل من الياء جيما، وقول الآخر:

حتى إذا ما أمسجت وأمسجا

يريد : أمست وأمسى، لأنه ردهما إلى أصلهما وهو أمسيت وأمسيا، ثم أبدل الياء جيما، لتقاربهما لما اضطر إلى ذلك(45) ".

"وجعله ابن المستوفى من الشاذ، قال : ومن الإبدال الشاذ قوله، وهو مما أنشده أبو زيد :

يا رب إن كنت قبلت حجتج

وهذا أسهل من الأول، لأنه أورده الشاعر في الوقت، إلا أن الياء غير مشددة(46) ".

وابن المستوفى لا يجعل من الشاذ ما كانت ياؤه مشددة، قال في شرح أبيات المفصل : "ومتى خرج هذا الإبدال عن هذين الشرطين، وهما الياء المشددة والوقف، عدوه شاذاً، ولذلك قال الزمخشري: وقد أجري الوصل مجرى الوقف(47)".

وقد اقتصر بعضهم على اشتراط الوقف، ولم يشترط التشديد استدلالا بقوله :

يقلع بالود وبالصيصج

إذ الأبيات الثلاثة الأولى ياؤها مشددة، والبيت الرابع الياء فيه غير مشددة، وأبدلت الياء جيما فيها جميعا.

وقد ذهب أبو علي الفارسي وابن جني إلى أن الياء في الرابع مشددة كأنه ساوى بين المنسوب والمنسوب إليهن مثل أحمر وأحمريّ، وهو كثير في كلامهم، كأنه الحق ياء النسبة بعد حذف ياء المنقوص: صيصي، حذفت الياء، ثم زيدت ياء النسبة فصارت : صيصي، ثم أبدلت جيما، فأنه شدد في الوقف(49).

وقد ذهب ابن بري إلى وجه آخر، فقال: "أقرب من هذا وأشبه بالمعنى أن يكون أراد (الصيصاء) وهو رديء التمر، الذي لا يعتقد نوى الحقته بقنديل، فقال: صيصي، ثم أبدل من الياء جيما في الوقف، ثم جرى الوصل مجراه (49)".

وقول العجاج بن رؤبة :

حتى إذا ما أمسجت وأمسجا

أبدل الياء جيما في الوقف وغير الوقف، "تحركت الياء وما قبلها مفتوح، فانقلبت، فلما أبدلت من الياء الجيم بقاها متحركة، لأنها حرف صحيح لا يعتل(50)".

وقال هميان بن قحافة السعدي :

يطير عنها الوبر الصهابجا(51)

وهو "أحد بني عوافة بن سعد بن زيد مناة بن تميم، ويقال : أحد عامر بن عبيد بن الحارث، وهو مقاعس، راجز محسن إسلامي، كان في الدولة الأموية(52)".

ورؤية وهميان كلاهما من تميم، من سعدي (سعديُّ) وقد وقفا على الياء غير مشددة، فأبدلاهما جيما، مما يضعف اشتراط التشديد.

*ونستطيع أن نضيف إلى ما تقدم نتائج أخرى، منها :

ـ أن اللهجات الباقية في عصرنا الحاضر التي تتحول فيها الجيم إلى ياء أو الكلمات التي فيها الياءغلى جيم ذات أصول عربية معروفة.

ـ أن الجانب الصوتي للموضوع يسيغ الإبدال، ولا يمنع حدوثه بين الحرفين، وجود اختلاف في بعض الصفات.

ـ أن هذا الإبدال قد يقع في لغات العرب بعامة، وليس خاصا بقبيلة معينة.

ـ لهذا الإبدال أثر في وضع المادة في المعجم، وتكريرها أحيانا.

ـ أن الرغبة في إبانة الحرف الآخر من أظهر أسباب الإبدال جيما.

ـ أن الرغبة في الخفة وتسهيل النطق من أظهر أسباب الإبدال ياء.

ـ أن لغة إبدال الياء جيما، وإن سمعت عن بعض العرب، لغة مذمومة، بنص أهل اللغة، وقد توقع فيما يستنكره في العربية مثل الجمع بين الصاد ولاجيم.

ـ أن لغة إبدال الجيم ياء، لم تحظ من كتب العربية بما حظيت به اللغة المقابلة، غير أنها في العصر الحاضر تشيع في مناطق معروفة، وقد توقع الغريب عنها في لبس وإيهام وخلط.

ـ أن هناك ألفاظا قلبت جيمها ياء سرت إلى لغات قبائل أخرى عرف عنها عدم الإبدال.

هذا ما أمكن لي قوله في هذه المقالة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
-----------------------------------------
الهوامش :

1) سر الصناعة 2/764-765.

2) انظر سر الصناعة 2/765.

3) مادة (شجر).

4) البحر المحيط 1/158.

5) انظر الصناعة 2/764.

6) انظر المحكم 7/140.

7) نفسه.

8) انظر تصريف الأسماء 232.

9) اللسان (دجر).

10) الإبدال لأبي الطيب 1/261.

11) نفسه.

12) في الفارسية "صهريج، وجمعه صهاريج"انظر فرهنك عميد ص 1374، ولعل العرب حين نقلوها طبقوا قوانين العربية بألا يجمع فيها بين الصاد والجيم في كلمة واحدة، وبنو تميم بحكم قربهم من بلاد الفرس، وصلتهم بهم، وتداول هذه الكلمة معهم، وغلبة العادة والاستعمال اليومي عليهم أبقوها على أصلها الفارسي، وإن خرج عن نظام الكلمة العربي.

13) الإبدال لأبي الطيب 1/261.

14) الجمهرة 1/5 والصاحبي 37.

15) الإبدال لبي الطيب 1/260.

16) الإبدال لابن السكيت96 والإبدال لأبي الطيب 1/260-261 والأمالي 2/78.

17) الإبدال لأبي الطيب 1/260.

18) نفسه.

19) نفسه، 1/257-259.

20) الإبدال لابن السكيت95 وانظر الإبدال لأبي الطيب 1/259 –260 والأمالي للقالي 2/77.

21) الإبدال لابن السكيت 95.

22) الإبدال لابن السكيت 95-96.

23) انظر شرح الشافية 2/287.

24) نفسه.

25) الصاحبي 37.

26) أنظر التمهيد في علم التجويد 14 وهداية القاري 60 وتشاركهما الشين في هذا المخرج.

27) هداية القارئ 60.

28) انظر التمهيد في علم التجويد 97-98، وهداية القارئ 79-80.

29) انظر التمهيد في علم التجويد 100.

30) انظر هداية القارئ 82.

31) انظر التمهيد في علم التجويد 98-99 وهداية القارئ 80.

32) سيبويه 4/305.

33) هم بنو فقيم بن منقر بن عبيد بن مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، انظر جمهرة أنساب العرب 466.

34) سيبويه 4/ 182.

35) شرح شواهد شرح الشافية 486.

36) البارع 579.

37) اللسان (زجم، زيم).

38) القاموس (جلمق).

39) الجمهرة 1/5، والصاحبي 36.

40) نوادر أبي زيد 455-456.

41) انظر جمهرة أنساب العرب 440.

42) الإبدال لأبي الطيب 1/258.

43) نفسه 1/260.

44) الإبدال لابن السكيت 95-96.

45) ضرائر اشعر 231-232.

46) شرح شواهد شرح الشافية 217.

47) نفسه 213.

48) نفسه 214-215.

49) شرح شواهد الإيضاح لابن بري 270.

50) نفسه 627.

51) الآمالي للفالي 2/77.


52) المؤتلف والمختلف 204.

ليست هناك تعليقات: