.

2015/03/02

هل اللغة العربية حقاً في حالة احتضار ؟

قلم الدكتورة منيرة فخرو ـ البحرين
١ تموز (يوليو) ٢٠٠٥

لفت نظري رد الأمين العام للجامعة العربية السيد عمرو موسى على الكاتب والمفكر محمد بنيس حول ما نشره الأخير في جريدة «الحياة» عن مصير اللغة العربية بعد قرن ونصف من التحديث. ذكر محمد بنيس أن العربية أكبر من العروبة وتاريخها أطول من تاريخ العروبة، لكن العروبة مضت بسرعة مثلما أتت بسرعة، وتبقى العربية في حالة احتضار.
ويواصل بنيس « أيصعب تصديق أن العربية أصبحت شبه مفتقدة في التعليم أو في الكتابة أو في المؤسسة الرسمية والمؤسسات التجارية والإعلامية، مما يدل على أن هناك احتضاراً للغة العربية في حياتنا العامة والشخصية».
إلى أن يتطرق إلى الجامعة العربية التي «لا تعني شيئاً فليست هي التي تسمّي العالم العربي ولا هي المقررة في مصير فكرة العروبة. الجميع يعلم أن الجامعة العربية مؤسسة ذات وضع سياسي رمزي، وهي لذلك تفتقد القدرة على التسمية وعلى تقرير مصير التسمية».
وجاء رد الأمين العام للجامعة العربية بأن: اللغة العربية قادرة على مواجهة تحديات العصر فهي لغة القرآن الكريم وستظل محفوظة بوعد الله في قوله الحق «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» وبفضل إعجاز القرآن لن تحتضر العربية ولن تندثر طالما تمسكنا بها جميعاً وأثرينا أركانها بالجديد في عالم المعلومات والتقنية ومختلف أرجاء منظومة المعرفة العالمية.
والحقيقة أن هذا السجال قد تكرر مراراً خلال القرن الماضي. فهاهو سعيد عقل منذ منتصف خمسينات القرن الماضي ولا يزال يطالب بأن تكتب «اللغة اللبنانية» بحروف لاتينية. وأيضاً عندما غيّر أتاتورك، في إطار تحديث تركيا، كتابة اللغة التركية إلى الحروف اللاتينية بعد أن كانت تكتب بحروف عربية مخلفة وراءها وثائق تاريخ الدولة العثمانية الذي كتب كله بالحروف العربية ولم تستطع أجيال تركيا الحديثة قراءة تاريخها الذي بقي مكوماً في مخازن يتآكلها القدم والنسيان.
اللغة العربية لم تصل إلينا عبر أجيال عديدة إلا بعد أن طورت ووضعت قواعدها كوكبة من أئمة النحو والأدب أمثال نفطويه وخالويه والكسائي وسيبويه وبالتحديد في العصر العباسي في الكوفة والبصرة. فاللغة تحيا بحياة ناطقيها، وتموت عبر العديد من المسببات مثل الفتوحات وغلبة شعب على آخر كما حدث للهنود الحمر في الأميركتين.
ولا ننسى اننا نعيش عصر العولمة والغلبة الآن للغات الأوروبية وعلى رأسها اللغة الإنجليزية التي يحكيها معظم شعوب العالم فهي لغة العلم والتكنولوجيا.
وحتى الهنود الذين ينطقون بمئات اللهجات واللغات والذين يسيرون في طريق التنمية بخطى حثيثة تشكل اللغة الإنجليزية لديهم لغة التفاهم ولغة العلم ووسيلة الاتصال بالخارج. ومما يلفت النظر في اللغة اليابانية كثرة الكلمات الأجنبية التي تم تحويلها إلى اليابانية فالطاولة هي «تيبورو» مشتقة من الإنجليزية، والتلفزيون هو «تيريبيجين» وغيرها الكثير.
فمنذ عصر الميجي في القرن التاسع عشر وهو ما يعتبر بحق بداية عصر الحداثة والتنوير، واليابان تواصل انفتاحها على الثقافة والحضارة الغربية والتكنولوجيا إلا أنها لم تفقد خصوصيتها اليابانية ولم تتنكر لتراثها العريق. ولا ننسى العملاق الصيني الذي بدأ انفتاحه الأخير منذ فترة الثمانينات حيث أرسلت الصين ألوف المبتعثين إلى جميع دول العالم الحديثة وعلى رأسها الولايات المتحدة لتعلم الإنجليزية والتخصص في مختلف العلوم .
وكذلك الترحيب بعشرات الألوف من الطلاب الذين جاءوا من أوروبا والولايات المتحدة وانتشروا في مقاطعات الصين المختلفة لتعليم اللغات في مدارسها وجامعاتها. كل ذلك لم يقض على لغات الصين المتعددة ولم يشتك أحد من مثقفي الصين بانهزام لغتهم أمام اللغات الأخرى.
السؤال الذي يواجهنا الآن كعرب.. هل ستضمحل وتزول لغتنا بمجرد كوننا نتحدث لغات أخرى إلى جانب العربية ؟ خاصة وأن انتشار اللغات الأجنبية قد ازداد في السنوات القليلة الماضية وأصبح تحديث التعليم مطلباً دولياً إلى جانب كونه مطلباً محلياً ينادي به المهتمون بتطوير التعليم في كل بلد عربي.
الجواب جاهز لدي وأستعير بعض ماقاله عمرو موسى في بداية المقال من كون لغتنا وهي الحافظة للقرآن ستبقى لفترة طويلة جداً وليس هناك دلائل على اندثارها. وكما حافظ اليهود في شتاتهم على لغتهم العبرية.
وهي لغة التوراة ولكنهم زاوجوها بكلمات من لغات مختلفة أغلبها أوروبية أو «اليدييش» بما أصبح يعرف بالعبرية الحديثة، نستطيع نحن أن نحفظ لغتنا بعد أن نضيف إليها ما أمكننا من لغة العصر المليئة بالمصطلحات التقنية الحديثة. المهم أن نكون واثقين مما نفعل.. لا يرعبنا فتح النوافذ على باقي شعوب العالم.
وأن نجتاز الحاجز النفسي الذي أعاقنا طويلاً من الولوج في عالم المعرفة والعلم الذي سبقتنا إليه شعوب كثيرة، وستبقى لغة الضاد ما بقي العرب.

ليست هناك تعليقات: