.

2015/03/17

اللغة العربية الفصيحة واللهجات المحكيّة-د. سماح هدايا

إنّ بناء المستقبل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمفهوم الأمّة والهويّة. وكلّ أمّة، قبل أن ترفع شعاراتها السّياسيّة وتعلن حركة أحزابها وتنظيماتها، يجب أن يكون حاضراً في أولى أفكارها قضيّة اللغة؛ للغة أهميّتها العظمى في تكوين خارطة الأمّة التّاريخيّة. ولعلّ حالة الازدواجيّة اللغويّة في الواقع العربيّ، تمثّل مشكلة خطيرة أمام بناء الأمّة وتكوين هويتها. ويمكن لأيّ مراقبٍ موضوعيّ اكتشاف خطورة الازدواجيّة اللغويّة، عندما يقطع المسافات في أرجاء الوطن العربيّ، ويرى حجم الفجوة الثّقافيّة بين اللغة الفصيحة واللهجات العاميّة(المحكيّة). نريد في هذا المقال القصير، إلقاء النظر الفاحص

على مشكلة الازدواجيّة اللغويّة في السّاحة العربيّة، ليس بهدف إعادة ذكر ماسبق من نتائج الدّراسات، أو الأبحاث، أو الحوارات المتعلّقة بأهميّة اللغة الفصيحة، أو بتأكيد ربط العاميات المحكيّة بالفصيحة، وهو كان مسار دراسات وأبحاث كثيرة. لن نضيف عليه شيئاً جديداً، لكنْ، نحاول تلخيص مجمل الإشكالياّت والنتائج المرتبطة بها، في أسئلةٍ لإثارة التّفكير الجديّ في أهميّة تواصلنا اللغويّ بمستواه الفصيح، وبمستوياته العاميّة( المحكيّة)، بشكل ناضج واعٍ، وتأمّل مأزق واقعنا اللغويّ الحالي، الذي أوجده، أساساً، الجهل وغياب العقل العلميّ وضعف الوعي الوطنيّ والقومي، في ظلّ واقع التّردّيّ السّياسيّ، من أجل تخطيه. مقدّمة عن مشكلة الازوداجيّة اللغويّة العربيّة بين العاميّة والفصيحة: تناقضت المواقف بين من يهاجم اللغة الفصيحة ويدعو إلى العاميّة. ومن يهاجم العاميّة، ويدعو إلى إسقاط اللغة العربيّة الفصيحة، لتعكس رؤىً غير قادرة، في الأغلب، من كلا الطرفين، على الوقوف بثبات، بسبب ضيق الأفق، وتعصّب الرّأي، وضعف الحجّة، وانتشار الجهل باللغة وبالتاريخ الإنسانيّ واللغويّ للمشرق العربيّ ومغربه. فهناك من ينادي بجعل العاميّة محل الفصيحة؛ لأنّها برأيه، سهلة، على نقيض الفصيحة الصعبة التي أصبحت، كما يرى، تقف عائقاً أمام الفهم الصحيح، وأمام حسن التواصل. وهناك من يتّهم العاميّات بعرقلة النمو اللغويّ والمعرفيّ والحضاريّ والثقافيّ والقوميّ، وينفي وجود عوائق حقيقيّة ‏تحول دون فهم ماتؤدّيه اللغة العربيّة الفصيحة، ويرى في انتشار خطاب اللهجات خطورة عالية تضرّ بعمليّة التواصل والإداء اللغويّ؛ فالفـصحـى جامعة توحّد اللسان العربيّ؛ إذ يفهمها ‏جيّداً، ضمن مستويات مختلفة معظم العرب المتعلمين، بينما يصعب على أيّ عربيّ، في منظومته الجغرافيّة اللغويّة العاميّة، أنْ يُحسن التّواصل بكلّ اللهجات العربيّة. لا يمكن إسقاط اللهجات أو إنكارها؛ خصوصا عندما تكون الأمّة ممتدة على رقعة جغرافيّة مترامية الأطراف، منفتحة على أممٍ كثيرة بحكم المجاورة. بل لعلّ الاضطراب اللغويّ يزداد وضوحاً، عندما تذهب أصول الأمّة بعيداً في العمق التاريخيّ، بتطوّره الثقافيّ الطّويل. ومن هنا؛ فقد نمت اللهجات العربيّة، عبر تاريخها، بما يلائم ظروف بيئتها العربيّة الجديدة، وبحسب أصولها وأصول الجماعات العربيّة المعايشة لها في المكانين القديم والجديد، لكن من دون أن تتقطّع الرّوابط القويّة التي تصلها ببعضها، ومن دون أن تتحول إلى لغات مستقلة عن الجوهر اللغويّ.‏ ومن ثمّ ؛ فإنّ اللغة العربيّة الفصيحة( اللغة الأم)، التي تفرّعت في اللهجات العربيّة نتيجة تعرّضها لظروف الانتشار في البلدان والمناطق المتباعدة، أدّت إلى تولّد لهجات مختلفة. اللهجات العربية: قضايا وخصائص – ثريا عبدالله خربوش. www.voiceofarabic.net.، ثمّ جرى تحريفها، بفعل تراكم الزمن، وشيوع العزلة الثقافيّة والجغرافيّة، وسعة الاتصال بألسنة أخرى. ومن هنا؛ فإنّ اللهجات العاميّة الحديثة المستعملة الآن، هي مستبقيات لهجيّة قديمة، استمرّ استعمالها حتى الحاضر. وقد وصم اللغويّون العرب القدماء هذه الاستعمالات اللهجيّة “بالرديئة” و”الخبيثة” و”البعيدة” و”الضعيفة” و”الفاسدة”؛ لأنّها عاجزة عن بلوغ المستويات الرفيعة من اللغة العربية المعيار اللهجات العربية: قضايا وخصائص – ثريا عبدالله خربوش . نحن لسنا ضدّ العاميات؛ فجميل هذا المخزون القديم، وجميلة تجلياته في الاشعار الشعبيّة والأمثال، وفي اللهجات الباقية؛ لكنّ اللهجات العاميّة(المحكيّة) متغيّرة، وليست ثابتة؛ فالكلام الذي كانت تتحدّث به جداتنا، ليس كالكلام الذي يتكّلم به أولادنا، ويختلف عن كلامنا وعن كلام أمهاتنا. هناك تغيير مستمر في اللهجات، ينشأ من موقعين: خارجيّ بسبب الاحتكاك بلغات مجاورة. وداخلي بسبب تأثير البيئة الاجتماعيّة والمكانيّة، وما تقرضه على الكلام من خصائص لغويّة جزئية: صوتيّة، ونحويّة، وصرفيّة، ومعنويّة متعلّقة بالمفردات والتّعابير والصّياغات. بل والأخطر من ذلك هو أنّها غير مستقلّة، يقتحم بعضَها كثيرٌ من الكلمات والعبارات والصّياغات الوافدة من اللغات الأجنبيّة، التي استعمرت البلاد، ويعزلها عن روح الأمّة، وعن ماهية سياقها اللغويّ، ويؤثر سلباً في في طاقتها المعنويّة. ولسنا ننبري للدّفاع المتعصّب عن للعربيّة الفصيحة؛ لكنّا نرى في الانغلاق على العاميّة والاكتفاء بها، والانعزال عن السّاحة المعرفيّة اللغويّة مشكلة خطيرة؛ لأنّه يزيد في الجهل المعرفيّ، ويضعف التّواصل القوميّ؛ فالتّغيير الذي يحدثه التّلهيج في اللغة العربيّة الأم، يبدأ صغيراً، ثمّ يكبر مع مرور الزمن، ويُوسّع الهوّة بين اللغة العربيّة الفصحية وبين اللهجات، ويُباعد، أيضاً، بين اللهجات فيما بينها، فتبدو كأنّها من لغة أخرى. اللهجات العربية: قضايا وخصائص – ثريا عبدالله خربوش لن نسهب في السّرد، وسندعو إلى تأمّل الموضوع من خلال بعض الأسئلة المتعلّقة بمشكلة الازوداجيّة في اللغة العربيّة: 1. أليس هناك ضرورة ملحّة لإخراج اللغة العربيّة الفصيحة من عزلها المفروض عليها بقصد خبيث أو طيب، أو من دون قصد واع، في خانة واحدة هي الإسلام؟؟ إنّه لخطأ كبير بحق اللغة العربيّّة الفصيحة أن نعمل على تحنيطها داخل كتب الدين ومراجع الفقه. وإنّه لخطأ أكبر استمرار العمل البادىء منذ عصور الانحطاط على تدريسها ضمن هذا الإطار الثّابت السّاكن في قوالب جامدة. وهو شبيه تماماً، بما يحصل، غالباً، في واقعنا الثّقافيّ، بربط قضايا الفكر العربي الواسع بمسائل الدين الإسلاميّ فقطـ. واعتبار كلّ فكرٍ وإنجازٍ سبقَ الإسلام، بأنّه فكر دخيل وفد إلينا من العقل اليونانيّ المتطوّر، أو من العقل الفارسيّ المتفوّق. فالعقل العربيّ بنظرهم عقل متخلّف بدائيّ دينيّ. ومن هنا؛ فإنّ حصر اللغة العربيّة في الدّين أمرٌ خطير يشجع العقل الطائفي، ويقوّي مشروع إحياء اللهجات العاميّة الناطقة بكثير من الخصوصيّة المحليّة، على حساب العربيّة الفصيحة، بسبب كونها اللغة الدّينيّة، كما يسهّل الطّريق أمام اللغات الأخرى لتكون بديلاً ثقافيّاً ومعرفيّاً عن العربيّة . صحيح أنّ اللغة العربيّة هي لغة الإسلام، وهي اللغة الدينيّة لكلّ المسلمين؛ لكنّها لا تقتصر على الإسلام؛ فقد كانت قبله بأزمان كثيرة، ويشهد على ذلك الأدب العربي قبل الإسلام( الجاهليّ). ألم تكن اللغة العربيّة لغة كثيٍر من اليهود العرب والمسيحيين العرب قبل أن يأتي الإسلام. ألم يكتب بها الشّاعر اليهوديّ السموأل شعره؟ ألم يكتب بها الخطباء العرب المسيحيون قبل الإسلام خطبهم الخالدة؟؟؟ ثمّ لماذا جرى سحب الحضارة العربيّة إلى مسائل الدّين والفقه بعيدا عن كثيرٍ هائل من الإنجازات الحضاريّة العربيّة الإسلاميّة في العلوم والفلسفة والمنطق والسياسة والأدب والفن.؟؟ إنّ هذا يشوّه الوعي باللغة العربيّة والثّقافة العربيّة، ويزوّر الحضارة العربيّة ويقطع أصولها بالسّياقات السّائدة: بعد الإسلام في الإنجازات المعرفيّة المختلفة، وقبل الإسلام في ما تحقّق من إنجازات ثقافيّة في اليمن، والعراق، وبلاد الشام، ومصر، وشمال إفريقيّا. ونشيرهنا إلى أمرٍ في غاية الأهميّة، وهو أنّ القرآن الكريم، كتابُ الإسلام، نموذجٌ لغويّ عربيّ فلسفيّ دينيّ مقدّس؛ لكنّه لايضم اللغة العربيّة كلّها، ولا يختصر صياغاتها وأساليبها، لذلك من الضيق الشّديد، للغة العربيّة، حصرها في مخطوط واحد، حتى وإن هذا المخطوط ذا قيمة، كبرى كقيمة القرآن الكريم الذي نكنّ كلّ التّقدير والاحترام. قال ابن عبّاس:”إذا قرأتم شيئاً من كتاب الله، فلم تعرفوه، فاطلبوه في أشعارالعرب…”العمدة في محاسن الشّعر وآدابه ونقده، ابن رشيق، ص30، دار الجيل، بيروت لبنان، ط4، 1972. 2. هل من الدقة حصر العروبة بالإسلام؟؟ قد يكون هذا خطراً على الأمّة والهوية واللغة؛ فالإسلام، مثله مثل المسيحيّة واليهوديّة، جاء في المنطقة العربيّة، وليس وافدا من الخارج، والعرب هم من أوّل من آمن بالإسلام. وكما انتشرت اليهوديّة ومن بعدها المسيحيّة التي سبقت الإسلام بستة قرون بين العرب، انتشر الإسلام. ومثلما أصبح للإسلام حضوره الواسع في الخارطة العربيّة من مشرقها إلى مغربها، ومن شمالها إلى جنوبها، كان للمسيحيّة حضورها الممتد قبله في القبائل العربيّة، وفي أرض العرب، وكان لها مراكز مدنيّة ودينيّة ومعابد ورجال دين. هناك من ينطلق من تعصّب دينيّ، أو جهل تاريخي؛ فيلصق الهويّة القوميّة بالدين فقط، ومن ثمّ يحاول أن ينزع المسيحيّة من الإطار العربي الشامل، على الرّغم من أنّها بدأت في الأرض العربيّة، وكانت جزءاً من النسيج العربي. ومن ثمّ يربطون السّريانية والأراميّة بالمسيحيّة، والعربيّة بالإسلام، على الرّغم من أنّ اللغة العربيّة كانت سائدة آئذاك في بلاد الشام والعراق والجزيرة، ولم يأت بها العرب والمسلمون كالغرباء الدخلاء، كما يتمّ الادّعاء، ويفرضونها على الناس وعلى الحضارة؛ ويستعمرون خلالها ثقافة المنطقة؛ فهناك مخطوطات ونقوش وأشعار تعود إلى زمن المسيحيّة وإلى ما قبلها مكتوبة باللغة العربيّة الفصيحة. وهنا تجدر الإشارة إلى الصّلة الثقافيّة الحضاريّة بين عرب أهل الشّام والعراق من جهة، وبين عرب جزيرة العرب، فقد كان بلاط المناذرة وبلاط الغساسنة، يستضيفان كثيراً من الشعراء العرب؛ مثل حسان بن ثابت والنابغة الذبياني، وغيرهما… ثمّ ليس العرب الوافدون من الحزيرة العربيّة، هم وحدهم الذين أسسوا جيش الفتح الإسلاميّ، وحاربوا وتوسعوا في الأرض العربيّة والعالم؛ فقد كان عرب المنطقة العربيّة وسكانها في بلاد الشّام والعراق، وفي شمال إفريقيا( تحت مسمّى البربر الخاطئة ثقافيّا)، هم نواة جيوش الفتح العربي الإسلاميّ، وهم الذين نقلوا اللغة العربيّة وثقافتها، ومشروع الدين الإسلامي كحركة سياسيّة وأخلاقيّة واجتماعيّة وحضارية آنذاك إلى البلاد التي فتحوها. 3. لماذا الاستمرار في الدّعوات غير العلميّة التي تدّعي أنّ العربيّة الفصيحة هي لغة الصحراء والبداوة والغلظة لا لغة الحضارة والمدنيّة؟؟؟ هذا الفريق من المدّعين، ليس على علم بالتاريخ أو باللغات، فالتاريخ يخبرنا غير هذا. كان العرب حاضرين، دائماً، وبشكلٍ واسع في مدن وحواضر الشام والعراق، ثم في شمال إفريقيا وشرقها، وكانوا يتحدثون في تلك المناطق بلهجات عربيّة كثيرة عاميّة منبثقة من اللغة العربيّة االفصيحة، ومن توأمتها مع أخواتها من اللغات العربيّة.. ونشيرإلى أن العرب كما أقرّ بعض المستشرقين، وأكّد كثير من المؤرخين، استطاعوا خلال بضع عشرات من السنين أن يبدعوا حضارة عالية، ومدنا راقية ويقيموا دولة مزدهرة ذات نفوذ كبير على مدى قرون طويلة في آسيا وإفريقيا وأوروبا كانت قبلة العلم والفن، ما كان لها أن تكون لولا وجود حضارة سابقة وثقافة حضريّة مستمرة ؛ فما أنجزه العرب ليس وليد البداوة، وليس خرافة حضاريّة، وإنما هو خميرة تراكم حضاريّ عربيّ سابق” لقد أكّد علم التّاريخ الحديث، وأكّدت المادّيّة التّاريخيّة أنّ الشّعوب لا توجد بشكل طفرات تخلق من عدم، وتفوم فجأة على فراغ، وإنّما تأتي نتيجة لعمليّة تاريخيّة طويلة، تستغرق فيها أزماناً ومراحل متعاقبة، وتستنفد فيها أشكالاً اجتماعيّة، وتطوي نظماً وأعراقاً ومعارف، مما قد لا يمكن رصده إلا في خطوط سيره العريضة وصولاً إلى الشّعب…”ص71، إنّ الأغراض السياسيّة والعقائديّة، كانت وراء الفرضيّات التي ترى في العرب أقواما وافدة إلى بلاد الشّام والعراق، ليست من أصل المنطقة أو من جنسها. وهذه الفرضيّات تفنقر إلى كثير من الدّقة والمنهجيّة، نفتها كثير من الدراسات والنّقوش والآثار التي تمّ العثور عليها، وأكّدت حضور العرب في الواقع التاريخيّ في شمال الجزيرة العربيّة وجنوبها، في العراق وبلاد الشام، فقد كان حضورهم واسعا وقويا ومتصلاً عبر التّاريخ. وعندما جاء الإسلام كان حسما لصياغة العروبة في المنطقة، وليس اختراعا لها. ويجب الانتباه هنا إلى التّمييز بين العرب كسكان حضر، وكانوا الأغلب والأعراب البدو، وكانوا الأقل. ومصطلح العرب في المعاجم”العرب خلاف العجم، سكان الأمصار…. والأعراب سكان البادية …” القاموس المحيط، الفيروزبادي، جزء1 ، ص106، دار الجيل، بيروت، لبنان. وقد أخذت بعض الدراسات الحديثة تؤكّد خطأ ما يشبع على لسان كثير من المؤرخين المستشرقين، ومن درس عليهم من المؤرخين العرب، هو أنّ البدو المرتحلين ليسوا إلا أقليّة في الأرض العربيّة، وفي جزيرة العرب. وقد كان العرب يترفّعون عن وصفهم بالبدو والأعراب:”والأعرابي إذا قيل له يا عربي، فرح يذلك وهش. والعربي إذا قيل له يا أعرابي، غضب… “. تاج العروس من جواهر القاموس، محمّد مرتضى الزّبيدي، مجلد 1، مكتبة الحياة بيروت، لبنان/ ط1 1306هحري. وكانت هناك دول عامرة في اليمن وجنوب الجزيرة، وفي والبحرين وشرق الجزيرة، وفي شمال الجزيرة وغربها، منذ ماقبل المسيحيّة واليهوديّة، وكانت ذات نفوذ اقتصاديّ وتجاريّ وثقافيّ:” لقد ملأت الجماعات العربيّة القديمة ذلك العالم المتنوّع يشنى أنواع نشاطاتها، من حياة الرّعي المتنقلة إلى الحياة الزّراعيّة المستقرّة والمتقدّمة، إلى التّجارة البريّة والبحريّة المزدهرة، إلى صناعة التّعدين….”ص67، . وكانت مشهورة بعمارتها، ومعابدها، وقصورها، وسدودها ، وبزراعتها وتجارتها البريّة والبحريّة، وصناعتها وحرفها؛ مثل المملكة المعينيّة، ومملكة حضرموت، ومملكة سبأ ، ومدين وممالك عمان والحجاز، ومملكة الأنباط، بالإضافة إلى حضارات الغساسنة والمناذرة فيما بعد في العراق وسوريا. كما كانت مكة، قبل الاسلام، مركزاً تجاريّاً مهمّاً لحركة التّجارة بين اليمن ومكة والشّام والعراق وشمال وشرق إفريقيا. كما كان لمكة قبل الاسلام أهمية اقتصاديّة ودينيّة وثقافيّة كبيرة عند العرب. 4. هل تنجح المواقف الانفعاليّة في معالجة مشكلة ازدواجيّة اللغة العربيّة؛ مثل: دافعوا عن العربية لأنّها لغة القرآن ولغة الشعر الجاهلي وشعر الأولين. أو انبذوا العامية؛ لأنّها شاذة غير عربيّة، وعبروا عن حياتكم بالفصيحة؟ لا تكمن مشكلة اللغة العربيّة الفصيحة في سيادة اللهجات العاميّة، بل المشكلة في جهلنا وتخلفنا من جهة، وفي تخاذلنا القوميّ وتعصب بعضنا، في مواجهة الأزمة وحلّها، من جهة ثانية. فاللغة ليست معزولة عن متكلّّمها. هي تعكس فكره وثقافته. لا يمكن إنكار اللهجات العاميّة( المحليّة)؛ فهي سهلة أمام طاقة الانفعالات المباشرة؛ لكنّها قاصرة عن تمثيل سياقٍ معرفي عميق، وسياق فكريّ ناضج، أو سياق حسّي باطني. هي سهلة أمام جغرافيّة معرفيّة بسيطة وسطحية وأوّليّة. لكنْ، إذا اخترنا أن نتكلّم بوعي منطقي أكثر رقيّاً، تتغير لغتنا. إذا تأملنا عميقا فيما نفكر أو نحس تتغيّر لغتنا… ومن هنا يجب أن نتأمل نشرح بمنطقيّة عميقة طبيعة التعبير، ونطوّر طرق تعليمنا وتعلمنا، وإنتاجنا اللغويّ والمعرفيّ، لكي يتلاءما. إنّه خيار جضاري في أن نعمل العقل والفكر ونرتقي إلى مستويات لغويّة عالية. وهذا يجعلنا نسأل هنا: أين الدور الذي تقوم به الموسّسات العلميّة واللغويّة والسياسيّة في حماية اللغة العربيّة الفصيحة، وفي حسن تعليم معاييرها الصحيحة( النحو والصرف والإملاء وبناء التركيب وأشكال التعبير) من أجل أن تبقى راسخة في الفكر، بما ورثته من تاريخها الطويل، وتتابع طريقها نحو المستقبل في إنتاج تعبيري سليم راق في ملفوظه ومنطوقه ومكتوبه. اللهجات العربيّة مستمدّة، في معظمها، كما يرى كثيرٌ من اللغويين العرب، من روح اللغة الفصيحة. ربما تغيرت صرفاً ونحواً؛ لكنّها مازالت تحمل شيئا كبيرا من اللغة الفصيحة… وهي متنوّعة في الأمكنة والأزمنة، تستمدّ تنوّعها من الاتساع اللفظيّ والمعنويّ الرمزي في اللغة العربيّة الفصيحة. وإنّ ما يُحسِّن وضع اللهجات، هو الرّقيّ والحضارة والثّقافة والأدب. ويكون ذلك بالتّعليم الراقي وبانفناح المجتمعات العربيّة سياسيّا وثقافيّا واجتماعيّا على بعضها. لعلّ اللهجات العاميّة تقوم في شعرها الشّعبيّ، بمختلف أشكاله، بدورٍ جمالي مهمّ جدا، يعادل،أحياناً، الدّور الجماليّ للغة الفصيحة المتمثّل في الشّعر، ويقوى في أحيان أخرى عليه، عند تردّي الأمّة في أدائها المعرفيّ واللغويّ الفصيح. كذلك في الأمثال الشعبيّة التي تأتي بديلاً، أو مرادفاً للأمثال العربيّة الفصيحة والأقوال المأثورة. لكنّ هذا يدعونا إلى امتحان قوّة العاميّات المختلفة من شعر شعبي وأمثال وفحص ديمومتها وانتشارها على امتداد ساحة الثقافة العربيّة الواسعة، وتأمّل عمق تأثيرها المعنويّ والتّخيليّ والجمالي من خلال السّؤال التالي: هل يمكن أن ترقى هذه الإنتاجات، كحالة إبداعيّة، إلى مستوى جماعيّ مستقر، يتجاوز جزئيّة التواصل المحليّ إلى العموم العربيّ وإلى الحالات الوجدانيّة والفكريّة العامّة التي تتطلب بناءّ معنوياً وتعبيريا وثقافيّاً أكثر حيويّة وتعقيداً وتجريداً وتأويلاً؟؟ إنّ المسوى اللغويّ للمتكلّم مرتبط بالمستوى الثّقافيّ؛ فكلّما ارتقت ثقافة المتكلّم ارتقت لغته وازدادت نضجاً، ووظّفها على نحو متنوّعٍ متعدّد المستويات والوظائف. لكنْ، إذا ضعف المستوى الثّقافيّ للمتكلّم تراجعت لغته وضعفت وظائفها وبهت استخدامها الحيويّ، ومال إلى اللهجات العاميّة؛ لأنها أسهل؛ فهي في مراتب اللغة الدنيا، لا تخضع للمستوى اللغوي المعياري والقانوني. 5. هل تستطيع اللهجات العاميّة أن تقوم بالوظيفة التّاريحيّة للغة في بعديها القومي والثقافيّ …؟ أليست كل لهجة مرتبطة بموقع جغرافيّ ضيّق، يفرض تفتيتا للهوية الشّاملة….؟ لا يمكن أن تمثّل أية دولة عربيّة، وحدة لغويّة مستقلّة؛ ففي كل دولة عربيّة لهجات كثيرة، ويكون أحيانا في المدينة الواحدة أكثر من لهجة ؛ فعلى سبيل المثال ، نستطيع أن نسمع في سوريا عدّة لهجات؛ مثل لهجة الجزيرة، لهجة السّاحل، لهجة جبال السّاحل، لهجات حلب، أحياءً وأريافاً، لهجات دمشق، أحياءً وأريافاً. ولن نجّزىء أكثر، وإن كان المجال واسعاً. صحيح أن اللهجات العاميّة العربيّة، يستعملها كثيرون من العرب وقد توارثوها؛ وهي تعبر عن يوميّات حياتهم؛ لكنّها تفتقر إلى توحيدهم، وتفتقر إلى قوة القيام بأدوار كثيرة: ثقافيّة، سياسيّة، علميّة، فكريّّة، اقتصاديّة؛ لأنّ حيويّة حبكة نموّها الفكريّ والمعرفيّ هشّة، وهي عرضة للدخيل اللغويّ وللشاذّ. لكنْ، ماهو المغزى من الدّعوات القويّة المدعومة من الخارج والداخل، تهدف إلى إحلال العامية بدل الفصيحة، وماهو مكمن أغراضها السياسيّة؟ نعتقد أنّ ما يحدث في الثّقافة العربيّة، وفي مسائل الهوية العربيّة، منذ معاهدة سايكس بيكو التي رسمت الخارطة الجغراقيّة للأرض العربيّة تحت مسميات دول وطنيّة، هو تعزيز للنّعرات المحليّة، وتفنيتٌ لبنية الأمّة وثقافتها،. هناك وباء وحمّى يجتاحان الوطن العربيّ يثمثّلان في العودة إلى القبليّة والعشائريّة، وفي عصبيّة الجاهليّة. عندما تصبح كل قبيلة أمّة، نتحوّل إلى زمن داحس والغبراء. وعندما نعزّز رسميّة اللهجات العاميّة، ونتبارى في تدوين قواميسها، وفي ترويج استخدامها؛ كأنّنا نطلق العنان للعقل التّقسيميّ البدائي، الذي تجازوته كثير من الأمم عندما أنشأت حضارتها. هذه الدّعوات التي تنادي بإبدال العربيّة بالعاميات، مثيرة للشبهة، لأنّها لا تدعم إلا مشروع الجاهليّة والفرقة. إنّ استخدام اللغة العربيّة الفصيحة في الوظائف العلميّة والأدبيّة والثّقافيّة والسّياسيّة والاقتصاديّة، ليس عملاً استعماريّا لاحتلال المشهد المعرفي والثّقافي في البلاد العربيّة؛ فهي ليست دخيلاً غريباً على الحالة الثّقافيّة، هي مكوّن الثّقافة، بل هو عمل ضروري لإغناء الثّقافة وتقوية الاستعمال اللغويّ في التبيين والبيان والفصاحة والإبلاغ. ليست العربيّة لغة البداوة المهيمنة بالسيف والعقيدة الدينية السياسية، كما يقول بعضهم. وهو جاهل بمنتوج اللغة العربيّة في الفلسفة والعلم والأدب والشّعر والجمال . هي اللغة الكبرى الفصيحة المشتركة الجامعة ، تملك قوّة هائلة في التواصل، وجعلت اللهجات تتفاعل معها بما يحقق الارتقاء والترقي الفكري الذي اسهمت كل مكونات الأمّة الثقافيّة في تفعيله، ليخرج إلى الأمم الأخرى. وهذا الموقف الذي يسود في فرضيّات جماعة من المستشرقين، وأتباع المستشرقين من العرب، أنّ العرب المسلمين الذين جاؤوا إلى العراق وسوريا ومصر والمغرب هم غرباء دخلاء بلغتهم وثقافتهم، وهم مجموعة قبائل بدائية عنيفة غازية قضت على الإرث الحضاري للمنطقة واهلها؛ هو في صلبه موقف معاد من العروبة ويهمل قراءة الحضارة العربيّة الإسلامية وإنجازاتها الثقافيّة بأيد عربيّة إسلاميّة ومسيحيّة ويهوديّة. كما يهمل العمليّة السّياسيّة الحضاريّة لتوسّع العربي الإسلامي في ذلك الوقت . فالتواصل بين عرب جزيرة العرب وعرب بلاد الشام والعراق والجماعات كان قيما قدم الهجرات المتواصلة التي كوّنت روح المنطقة لغويّاً وثقافيّاً وعرقيّا واقتصاديا وسياسيا ودينيا، وكان أعمق بكثير مما هو سائد في قراءتنا السطحيّة والإثنيّة والاستشراقيّة للتاريخ وتجلياته الحضاريّة.:”إنّ المنطقة الشّاملة لأطراف الهلال الخصيب ولشبه جزيرة العرب هي منطقة عربيّة….وبإمكاننا أن نلمح وحة الشّعب الثّقافيّة والرّوحيّة ثمّ اللغويّة منذ ماقبل الألف الخامس قبل الميلاد وحتى اليوم…”ص146، تاريخ سوريا القديم: تصحيح وتحرير، أحمد داوود، 2003، ط3، دار الصفدي، دمشق سوريا.؛ فقد كانت حالة التّقارب والدّمج مستمرة ومتطوّرة عبر التاريخ العربيّ بين الحواضر من المدن والقرى والبوادي، وقد استكمل الإسلام عمليّة التّعريب القديمة. إنّ نمو اللهجات واتساع الهوّة أحيانا بين العربيّة الفصيحة واللهجات العامية مرتبط بالهيمنة الاستعماريّة الغربيّة سياسيّا والثقافيّا على واقعنا، وبالمشاريع الاستعماريّة المختلفة التي حاصرت الوطن العربي؛ مثل المشروع العثمانيّ وسياسة التتريك، ومثل مشروع الاستعمار الغربيّ الذي سعى في تاريخه الطويل في بلاد الوطن العربي إلى محاربة اللغة العربية؛ لأنّها أهم مقومات الوجود القومي العربيّ، والأمثلة كثيرة؛ إذ يلجأ معظم العرب إلى العامية الأسهل، وقد شاع في بعضها الألفاظ الأجنبيّة الدخيلة من الفرنسية والإسبانية والإيطالية والبرتغالية والإنجليزيّة، كما أدّى إلى ركاكة التّعبير:لفظاً وتركيباً وصوتاً. 6. لماذا لا نقرّ بحقيقة تعدّد مستويات الخطاب، وبواقعيّتها؟؟؟ هناك في الكلام تمثيل يوميّ للحياتي البسيط الذي يحقّق الصّلة الإنسانيّة بين الفرد والجماعة، في مستواها المعاش. فأين المشكلة في أن تتكلم كل جماعة عربيّة بلهجتها الخاصّة في استخدامها اليوميّ البسيط، وفي محادثة الأقرباء والأصدقاء والأهل، وفي التّعبير عن الحاجات اللحظيّة الأوليّة؟؟ وهناك اللغة الأرفع بناءً، وهي اللغة المشتركة المعياريّة التاّريخيّة المستعملة في العلم وفي التخاطب الرّسمي والإعلاميّ والأدبيّ… وهي لسان العرب الفصيح الجامع. فأين المشكلة في أن نوحّد لغة علمنا وأدبنا، ولغة تعلّمنا، ولغة تخاطبنا الرّسميّ والإعلاميّ؟؟ إنّ المسافة بين اللغتين غير ثابتة، تضيق بزيادة الوعي الثقافي والقوميّ والعلمي. وحالة الازدواجيّة اللغويّة في الثقافة العربيّة قديمة جدا ولم تكن تتعارض مع وحدة الثقافة ووحدة الأمّة. فيمكن المراوحة بين مستويات التخاطب من العاميّات التي جاءت من لهجات عربيّة سابقة إلى المستوى اللغوي الفصيح السّهل إلى المستوى الراقي الصارم في معاييره وضوابطه والمرجعيّ المتمثل في الشعر العربيّ الجاهليّ والقرآن الكريم وصدر الإسلام والأدب القديم؛ وتطويرها بما لا يفسدها نظامها الأساسيّ علماً بأن الصّلة بين هذه المستويات الثلاث غير منقطعة، بل هي قويةّ. مجلة الموقف الأدبيّ، دمشق سوريا، الــعــــدد 396 السنة االرابعة و الثلاثون نيسان 2004، عربيتنا اليوم بين الفصحى واللهجات العاميّة، د. أحمد شاميّة. وليس استخدام اللغة العربيّة الفصيحة بنظامها اللفظيّ والنّحويّ والصّرفيّ سبب التأخر الثّقافيّ ، بل السبب طبيعة استخدامنا للغة العربيّة الفصيحة، وجهلنا المعرفيّ والثقافيّ، وركود تفكيرنا، وجمود إنتاجنا اللغويّ، بسبب تقاعسنا عن تطوير وظائف استخدامنا اللغويّ. اللهجات العربية موجودة منذ القدم، وكان مفهومة بين العرب،لكنْ، كانت اللغة العربيّة المشتركة هي المرجعيّة الأدبيّة والثقافّة والرّسمية والتوثيقية، كما في الأشعار والنثر ولأخبار والأمثال والخطب، والمواثيق….واستمرت اللهجات بعد الإسلام، لكنّ ظلّت اللغة العربيّة المعياريّة الفصيحة المرجعيّة، وتجلّى بها الارتقاء المعرفيّ والثقافيّ وتحقّقت بها سيادة الوحدة الثقافيّة. إن ما نراه في العاميات العربيّة الحاضرة هو من مظاهر تلهيج مستمرة من القديم، ومن اللهجات القديمة المنسحبة من إجماع العربية الفصيحة العامّة المشتركة؛ مثل استبدال الحروف: نطق الذال دالا أخذ أخد. ثور: تور. ثوم توم…. ومثل تحويل الهمزة ألفاً: رأس: راس، سماء: سما. ومثل ترك الهمز في طأطأ وأبطأ وهنّأ وتوضّأ واتّكأ وهدأ،(طاطا،ابطا، هنّا، توضّا، اتكّا) واستبداله بالواو في آسيته وآخذته،(واسيته، واخذته) وإسقاطه في إوزّ وأوقية وأعييت،(وزّ،وقيّة، عييت) وهمز غير المهموز في أخير الناس وأشر الناس، (خير ، شرّ)…، بالإضافة إلى التخفف من الإعراب. اللهجات العربية: قضايا وخصائص – ثريا عبدالله خربوش . ومثل مانراه في بعض اللهجات كأن يقال: امبارح( إبدال لام التعريف ميما). ومثل مايقول أهل صعيد مصر في لأ لع، وينطق السودانيون سأل(سعل). وهناك التّرخيم وهو واضح في اللهجة العربية المصرية. وهو منتشر في اللهجة العربية المغربية. إذ نقول: مسلخي( في مساء الخير)، وهو قطعٌ للهمزة من اللفظ الأول، والراء من اللفظ الثاني، ودمجٌ للفظين. اللهجات العربية: قضايا وخصائص – ثريا عبدالله خربوش . ويمكن أن نرى الاستعمالات المختلفة المتشابهة في اللهجات العاميّة للشيء نفسه: مثال كلمة(الآن): هلأ، هلق، هسا، هسع، إسا، هلحين، هلقيت، هلئيت….. ولن نخوض في هذا كثيرا؛ فله مجاله اللغويّ في علم اللسانيّات. بل إن الحديث العادي نفسه لغة ملهّجة. وقديما، سمى الجاحظ العامية لغة العامة ولغة النخبة لغة العلية، واليوم، نسمي العربية الفصيحة لغة المتعلّمين و العاميّة لغة غير المتعلّمين. اللهجات العربية: قضايا وخصائص – ثريا عبدالله خربوش الخاتمة ويمكن القول: إن اللغة مرتبطة ارتباطا وثيقا بحالة الفرد وحالة الأمّة، وفي حال وجود الازدواجيّة اللغوية؛ فذلك ليس عائقا إذا توافرت أشكال الوعي والفهم لواقع الحال؛ فيمكن للفرد أن يستخدم اللهجة الدارجة التي تربطه بأسرته وواقعه اليوميّ، بما يحقق التواصل العاطفيّ الاجتماعيّ، ويمكن له أن يستعمل اللغة العربيّة الفصيحة التي تلائم مستواه الثقافي والمجتمعيّ. إنّمّا المهم في استخدامنا اللغة الفصحية، هو عدم الإصرار على قولبتها في أشكال جاهزة جامدة تحنّط أداءها ووظائفها، وتعزلها عن الحياة الجديدة. والمهم في استخدامنا للهجات المحليّة هو تنقيتها من الدخيل والشاذ والغريب الذي ورثناه من ثقافة المستعمر. اللغة هي الروح التي تكوّن الأمّة، واللهجات جزء من اللغة، لكنْ، بالمستوى الأقرب إلى الحياة اليوميّة الغريزيّة والانفعاليّة لكلّ جماعة أوساط الشعب . لذلك وكلما ارتقت ثقافة هذه الجماعات وفكرها، ارتقت لغتها في التعبير واقتربت العاميّة من الفصيحة لغة الفكر والوجدان الباطن والعلم والفلسفة. وهذا ما أشار إليه كتاب دراسات في الحضارة العربية الإسلامية للمؤلف الدكتور فؤاد المرعي، عن دار نون 4 للنشر والطباعة والتوزيع بحلب ، عام 2006، بشكل واضح. لا شك أننا نحتاج إلى دراسات لغويّة لهجية تمسح جغرافية عموم المناطق في كل بلد حتى تتيسر مقارنة خصائص التلهيج بين اللهجات، من جهة، وبين اللهجات والعربية الفصيحة، من جهة أخرى. اللهجات العربية: قضايا وخصائص – ثريا عبدالله خربوش

ليست هناك تعليقات: