.

2015/04/07

اللغة الثالثة.. وإشكالية اللهجة



مسعود الحمداني –
يتوهم البعض أن اللهجة العمانية ليست لهجة (انتشار إعلامي)، ولذلك يلجأون إلى استعارة لهجات الآخرين، فيتحوّل الشعر من خصوصيته إلى مجرد (مسخٍ) يقلّد الآخرين، ويقتفي آثارهم، فتموت لهجته تدريجيا، وبذلك تكبر الفجوة بين الشاعر وبيئته، فالعيب ليس في اللهجة بكل مساحاتها بل في الشاعر الذي لا يفقه كيف يوظف ويفتخر ويعتز بلهجته. وفي رأيي فليس هناك من بديل للهجة المحلية (الأم)، لأن الشعر الشعبي في أي مكان في العالم مرآة عاكسة للغة ولهجة هذا البلد أو ذاك، وإلا فُرّغت المسألة من مضمونها واستقلاليتها، لذا على أي شاعر أن يوطّد علاقته بلهجته المحلية أولا، وبالتالي يشكّل سياجا واقيا بثقافته اللهجوية تبعده عن التأثر غير الواعي بلهجات الآخرين، بمعنى آخر أن القصور لا يأتي من البيئة المحلية، ولا من اللهجة المحكاة، ولكن يأتي القصور والتقصير غالبا من الشاعر الذي لا يعرف عمّا حوله شيئا، وتقتصر ثقافته على ما يقرأه أو يستمع إليه من خلال وسائل الإعلام والتي تلعب دورا مؤثرا في التقليد والمحاكاة والتأثر بالغير، لذا فإن على كل شاعر أن يعي لهجته، وأن يتجه إليها، وأن يقرأها ويمارسها، ويأتي بعد ذلك دور الانتقاء للمفردة، فهناك مستويين من المفردات الشعرية المحلية، الأول: مفردات سلسلة ويمكن تداولها ومؤثرة وهي التي يمكن استخدامها في القصيدة دون وحشية أو تعسّف أو تنفير، والمستوى الثاني هو: تلك المفردات المحلية الصرفة التي يحكيها سكان محدودو العدد، وفي منطقة جغرافية ضيقة، وهي كلمات قد لا تُفهم خارج حدود هذه البيئة البسيطة، والتي قد يستخدمها شاعر تلك المنطقة فلا يفهم ساكن المنطقة المجاورة منها شيئا.. وهي لهجات قد لا تعطي الشاعر ما يريده من ابتكار على مستوى الصورة أو المفردة.
فالشاعر مطالب أن يحمي لهجته العامة والقريبة من خلال (تصديرها) للآخر، والتي معها يستطيع التحليق في فضاء الخارج ولكن ضمن شروط الخصوصية المحلية، والتي تعمل كأي كائن حي من خلال التأثر والتأثير وليس من خلال التأثر وحده.
الحل الثاني للخروج من دائرة تقليد لهجات الآخرين يأتي عبر الاتجاه نحو اللغة العربية الفصحى، أو ما يسمى (بتفصيح اللهجة)، وهذا بالضبط ما يفعله الكثير من شعرائنا، وهو حل قد يراه البعض نوعا من فقدان القصيدة النبطية لخصوصيتها، وهذا كلام مردود عليه، فاللهجة بمحدوديتها واللغة بعموميتها تجاورتا في كل عصر وزمان، وتأثر أحدهما بالآخر، وكانت اللغة هي المتأثر الأكبر في هذا الاتجاه، فهي ظلت- كما يقال- لغة الخاصة، والخاصة في كل زمان ومكان فئة محدودة، بينما يبقى العامة هم السواد الأعظم من الناس، ولهجتهم هي (لغة) الشارع والسوق والأعمال والمجالس، وتبقى الفصحى هي لغة الكتابة فقط، لذا كان التأثر واضحا بين هاتين (اللغتين) المتكاملتين لا المتضادتين كما يتوهم البعض، فاتجاه الشاعر الشعبي لتغذية قصيدته من معين اللغة الأم أمر مشروع في حدود واسعة، وهو بذلك يعمل على تضييق الفجوة بين الفصحى والعامية، وفي نفس الوقت يرتقي باللهجة المحلية، ويصل إلى أكبر شريحة ممكنة من الجمهور سواء داخل بلده أو خارجها، وهذا ما فعله الكثير من شعراء الفصحى في كل الأزمنة حين طعّموا قصائدهم بلهجات أو مصطلحات عامية، ورغم ذلك بقيت القصيدة الفصحى بخصوصيتها وشخصيتها وسماتها العامة.
(فاللغة الثالثة) التي يبتكرها الشاعر الشعبي هي لغة الشارع المثقف، ولغة الحياة العامة، ولغة الإعلام والصحافة، ولغة الكتابة، وليس عيبا التقارب مع اللغة الأصل، والتثاقف معها، والأخذ منها، لأنها لغة متاحة للجميع، وليست حكرا على شعب دون شعب أو منطقة عربية دون أخرى، ولكن ضمن شروط كتابة القصيدة النبطية الحديثة. ولنا لقاء

ليست هناك تعليقات: