إن الناظرَ في المصطلحين علم اللغة وفقه اللغة نظرةً غيرَ فاحصة، سيظن أنّه لا فرقَ بينهما، وليس من الغريب عليه أن يخلط بينهما، خصوصًا أن كثيرًا من الباحثين قديمًا استخدموهما بالمعنى نفسه في كتبهم كابن فارس في كتابه "الصاحبي في فقه اللغة" أو الثعالبي في كتابه "فقه اللغة وأسرار العربية". إلا أنّ الفرقَ بينهما كبير ودقيق جدًا، يبدأ من مفهوم المصطلحين، فـ "علم اللغة" عُرِف عند الباحثين قديمًا بأنه العلم المَعني بالبحث عن مفردات اللغة، من حيث جوهرها ومادّتها [١]، أما عند المحدثين أمثال دي سوسير -الذي أسّس علم اللسانيات- فعُرف بأنه العلم الذي يدرس اللغات الإنسانية دراسة علمية من ناحية خصائصها وتراكيبها ودرجات التشابه والتباين فيما بينها، محاولًا الإجابة عن أسئلة حول اللغة مثل: كيف تتغير اللغات ولماذا يكونُ للمفردات معان معيَّنة؟ وفيه يؤكّد دي سوسير على أنّ موضوع علم اللغة الصحيح والوحيد هو "اللغة في ذاتها ومن أجل ذاتها"، مع وضع فرضيات علمية وصارمة لدراسة اللغة وإثباتها أو نفيها، للوصول إلى نظريات علمية تخدم اللغة، وتقسيماتها في مستوياتها الرئيسة، وهي: الصوتية، والنحوية، والصرفية، والدلالية. [٢] أمّا فقه اللغة فهو المصطلح الذي أرادَ منه الأقدمون دراسة علم اللغة، إذ عرّفه ابن جني في الخصائص بأنّه "أصوات يعبّر بها كلّ قومٍ عن أغراضهم"، ولكنّه يختلفُ عمّا عرف عنه عند المحدثين، إذ إنّه العلم الذي يسعى إلى فَهم اللغة واستيعابها، وتأمين احتياجاتها ومتطلباتها [٣]، وبهذا يكونُ أوسعَ وأشمل، إذ إنّه يدرسُ اللغة بوصفها وسيلة لدراسة الحضارة أو الأدب، مع دراسة المستويات الصوتية، والصرفية، والدلالية، والنحوية، ومتابعة تطورها، والبحث في المعاجم والفهارس عن المعاني، والاشتقاقات، والترادف، وعلوم البلاغة، مع الحفاظ على الوظيفة الأساسيّة للغة ومصادرها، وبعيدًا عن المصطلح، فإنّ الفروق بينهما تتسع، ويمكن إيجازها في النقاط الآتية: إن مصطلح "فقه اللغة" من الناحية الزمنية أسبقُ من مصطلح "علم اللغة"، إذ بدأ استخدام كلمة "اللسان" بمعنى اللغة في اللغات الأوروبيّة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتَحَدّد معناها بوصفِها علمًا دقيقًا بتقدُّم علم اللغة في القرن العشرين. اتصف "علم اللغة" منذ نشأتِه بكونه علمًا حسب المفهوم الدقيق لهذا المصطلح، في حين أن علماء اللغة لم يستخدموا مصطلح "فقه اللغة" بوصفه علمًا. إن عمل "فقه اللغة" في الأساس تاريخيّ مُقارِن يسعى لاكتشاف عناصر التشابه بين لغة وأخرى، وملاحظة التغيرات التي تطرأ على اللغة عبر الزمن، ومقارنة التغيرات التاريخية بين اللغات المتشابهة، في حين أنّ عمل "علم اللغة" وصفيّ تقريري يقوم على الوصف والمعاينة ثمّ الاختبار والتصنيف والتبويب والاستقراء والتحليل الإحصائي وصولاً إلى استنباط القوانين التي تنظم الظاهرة، ثم يقوم بتعليلها ليكوّن منها نظرية لسانية عامةً فعّالة قابلة للتطور.
منقول
https://www.startimes.com/f.aspx?t=38042809
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق